وقد ذكر الحافظ ابن رجب فصلا مهمّا في المسألة أحببنا إيراده في هذا المقام قال رحمه الله:
(واعلم أن الناس على ضربين:
أحدهما: من كان مستورا لا يعرف بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو زلة فأنه لا يجوز كشفها ولا هتكها ولا التحدث بها لأن ذلك غيبة محرّمة وهذا هو الذي وردت فيه النصوص وفي ذلك قد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ} والمراد: إشاعة الفاحشة على المؤمن المستتر فيما وقع منه أو أتهم وهو بريء منه. كما في قصة الإفك. قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب. ومثل هذا لو جاء تائبا نادما وأقر بحد ولم يفسّره لم يستفسر بل يؤمر بأن يرجع ويستر نفسه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية وكما لم يستفسر الذي قال: (أصبت حدا فأقمه علي) ، ومثل هذا لو أخذ بجريمته ولم يبلغ الإمام فإنه يشفع له حتى لا يبلغ الإمام. وفي مثله جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) ، خرّجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة.
والثاني: من كان مشتهرا بالمعاصي معلنا بها لا يبالي بما ارتكب منها ولا بما قيل له، فهذا هو الفاجر المعلن وليس له غيبة كما نص على ذلك الحسن البصري وغيره، ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره لتقام عليه الحدود صرّح بذلك بعض أصحابنا، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ ولو لم يبلغ به السلطان بل يترك حتى يقام عليه الحدّ لينكفّ شرّه ويرتدع به أمثاله. قال الإمام مالك: من لم يعرف منه أذى للناس وإنما كانت منه زلة فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأما من عرف بشر أو فساد فلا أحب أن يشفع له أحد ولكن يترك حتى يقام عليه الحد حكاه ابن المنذر وغيره) [1] .
وعلى هذا فمن صاحب أهل الدعارة والمجون والخلاعة فأسيء الظن به فلا يلومنّ إلا نفسه. وكذلك من داخل أهل الكفر وجالس معهم فأساء بعض المسلمين الظن به فلا يلومن إلا نفسه، ومثله المدافع عنهم وعن المجرمين أهل الفجور والشر، بل كل من وضع نفسه مواطن التهم فلا يلومن إلا نفسه، ولذلك لا يحدّ من قذف من اشتهر بمصاحبة الزواني أو مداخلة الأجنبيات بدون مبرر شرعي ظاهر والله تعالى أعلم.
(1) جامع العلوم والحكم (2/ 292 - 293)