في إخبار زيد بن أرقم رضي الله عنه لعمّه خبر المنافق، وإبلاغ العم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم دليل على فضح المنافقين وهتك أستارهم، وكذلك كل من كان في فعله ضرر عام على المسلمين كالجواسيس وأمثالهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:"وأعداء الدين نوعان: الكفار، والمنافقون. وقد أمر الله نبيّه بجهاد الطائفتين في قوله تعالى: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} في آيتين من القرآن. فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعا تخالف الكتاب ويلبسونها على الناس ولم تبيّن للناس: فسد أمر الكتاب، وبدل الدين، كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله. وإذا كان أقوام ليسوا منافقين لكنهم سماعون للمنافقين: قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقا وهو مخالف للكتاب وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين .. فلا بدّ أيضا من بيان حال هؤلاء بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم، فإن فيهم إيمانا يوجب موالاتهم وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين فلا بد من التحذير من تلك البدع وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم، بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق لكن قالوها ظانين أنها هدى وأنها خير وأنها دين ولم تكن كذلك لوجب بيان حالها." [1]
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وفيه جواز تبليغ ما لا يجوز للمقول فيه، ولا يعدّ نميمة مذمومة إلا إن قصد بذلك الإفساد المطلق، وأما إذا كانت فيه مصلحة ترجّح على المفسدة فلا." [2] .
وقال الإمام بدر الدين العيني في شرح قصة حاطب بن أبي بلتعة:"فيه هتك سرّ الجاسوس رجلا كان أو امرأة إذا كانت في ذلك مصلحة، أو كان في الستر مفسدة، وفيه: هتك ستر المريب وكشف المرأة العاصية، وفيه جواز تحريد العورة عن الستر عند الحاجة" [3] . وجاء في روح البيان ما نصه: (وفي قصة حاطب إشارة إلى جواز هتك ستر الجواسيس، وهتك أسرار المفسدين، إذا كان فيه مصلحة، أو في ستره مفسدة) [4] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في سياق كلامه عن جهاد المرتدين:"ويجب على كل مسلم أن يقوم في ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم، بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم، ولا يحل لأحد أن يعاونهم على بقائهم في الجند والمستخدمين، ولا يحل لأحد السكوت عن القيام عليهم بما أمر الله به رسوله. ولا يحل لأحد أن ينهى عن القيام بما أمر الله به رسوله، فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في"
(1) مجموع الفتاوى (28/ 232 - 233)
(2) فتح الباري (8/ 514)
(3) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (14/ 378 - 379)
(4) الدواهي المدهية للفرق المحمية ص162