و إن الفكر السياسي الشيعي في (عصر الغيبة) كان ولا يزال يرتكز على نظرية وجود الإمام الثاني عشر (المهدي المنتظر) وولادته من قبل ، وقد التزم مرة - ولفترة طويلة - بنظرية الانتظار ، التي لم يتخلَّ عنها تماما ، ولا تزال تفعل فعلها في كثير من جوانب الحياة ، وعندما تخلى عن نظرية الانتظار وقع في مطب نظرية (النيابة العامة) و (ولاية الفقيه) التي تعطي للمرجع الديني أو الحاكم صلاحيات مطلقة تشابه صلاحيات الإمام المعصوم أو الرسول الأعظم (ص) وتقضي على إمكانيات مشاركة الأمة في السلطة وإقامة نظام سياسي معتدل .
لذا فاني اشعر بأن المسئولية الكبرى عن تخلف الشيعة وانحطاطهم في التاريخ تقع على عاتق الأفكار الخاطئة والنظريات الدخيلة التي تسربت عبر المتكلمين إلينا .. وان إصلاح أوضاعنا العامة في الحاضر والمستقبل يتوقف على مراجعة ثقافتنا وتصحيحها وتنقيتها ومطابقتها مع روح الإسلام وتراث أهل البيت (ع) .
وقد قمت في هذه الكتاب ببحث جميع الأدلة التي قدمها و يقدمها المتكلمون والمؤرخون حول (ميلاد ووجود الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري ) وكانت تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: الدليل العقلي الفلسفي والدليل التاريخي والدليل الروائي النقلي ، ثم قمت بعد ذلك بدراسة هذه الأدلة وتقييمها والتأكد من صحتها .. ودرست بعد ذلك الآثار السلبية التي ألحقتها هذه النظرية بالشيعة الإمامة الاثني عشرية على مدى التاريخ ، وسجلت بعد ذلك عمليات الخروج الشيعية من تلك الأزمة المستعصية ، ومحاولات الثورة الفقهية والسياسية ضد الفكر السلبي القديم ، وتوقفت أخيرا عند المرحلة الأخيرة من تطور الفكر السياسي الشيعي وهي مرحلة (ولاية الفقيه) وتأملت في إيجابياتها وسلبياتها وقدمت في النهاية الصورة المستقبلية التي أرى أتمنى إن يتقدم إليها الفكر السياسي الشيعي ، وهي صورة (الشورى) أو الديموقراطية ، وولاية الأمة على نفسها .