وكان النبي الذي أرسله الله إليهم، هو «هود» عليه السلام، وقد دعاهم إلى الله، وترفق بهم، وذكّرهم بآلاء الله عليهم، وإحسانه إليهم، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا، وضلالا .. وفيما كان يقول «هود» لهم، ما جاء في قوله تعالى: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (69:الأعراف) وقد أهلكهم الله بريح صرصر عاتية، كما يقول سبحانه: «وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا، فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» (6 - 8:الحاقة) وسمى بناء المدينة وإقامتها على هذه الصورة العجيبة من القوة، والضخامة، والإحكام- سمى هذا خلقا، لأنها من عمل مخلوقات لله، وكل ما يعمل فيه الناس، هو من خلق الله، كما يقول سبحانه: «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ» (96:الصافات) ومناسبة قصة عاد وثمود وفرعون، لما قبلها، هى أنها تعرض قضية من القضايا التي تستحق من العقل أن يناقشها، وان يستحضر وجوده كله لها، وذلك بعد أن استدعى هذا الاستدعاء القوى الذي شدّ إليه بالقسم، لينظر في الزمن، وما تلد آناته ولحظاته من عجائب.
والقضية التي يدعى إليها العقل هنا، هى سنة من سنة الله سبحانه وتعالى، فيما يأخذ به أهل الزيغ والضلال، من بأساء وضراء في الدنيا، وما أعد لهم في الآخرة من عذاب السعير ..
وفى عاد وثمود وفرعون، يتمثل وجه كريه من وجوه الكفر والضلال، والعتوّ .. وقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فاقتلعهم من جذورهم، وقطع نسلهم، وأتى على ما بنوا، وشيدوا.
وقوله تعالى: «وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ» معطوف على قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ» وكيف فعل ربك بثمود؟ وثمود، هم قوم صالح عليه السلام، وهم من العرب البائدة، وديارهم بالحجر بين الشام والعراق، وقد مر بها النبي، - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك فسجّى ثوبه على وجهه، وأمر أصحابه أن يمروا بها مسرعين، وقال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم» وقوله تعالى: «جابوا الصخر» أي قطعوه، وشقوه كما يشق الجيب، وهو فتحة الثوب التي يلبس منها .. ومعنى ذلك أنهم نحتوا الصخر في الوادي الذي يسكنون فيه، وجعلوا بيوتهم منحوتة في كيان الصخر، فكانت أشبه بحصون .. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ» (149:الشعراء) قوله تعالى: «وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ» معطوف على «وثمود» ..
والأوتاد جمع وتد، وهى تلك الأهرامات العظيمة التي أقامها فراعين مصر، فكانت أشبه بالجبال، التي هى أوتاد الأرض، كما يقول سبحانه: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا. وَالْجِبالَ أَوْتادًا» (6،7:النبأ) وقوله تعالى: «الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ» «الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ» هو وصف لعاد، وثمود، وفرعون .. فهم جميعا من الطغاة الباغين، الذين استبدوا بالبلاد، وبالعباد، فأشاعوا الفساد حيث كانوا، ولهذا أخذهم الله جميعا بالعذاب فصّبه صبّا عليهم.
والسوط: أصله من ساط الشيء يسوطه، أي خلطه بغيره، لأن السوط يختلط بالجلد، حين يضرب به ..