عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102] [1]
وقال تعالى: وكمْ مِنْ قرْيةٍ أهْلكْناها فجاءها بأْسُنا بياتًا أوْ هُمْ قائِلُون (4) فما كان دعْواهُمْ إِذْ جاءهُمْ بأْسُنا إِلّا أنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِين (5) فلنسْألنّ الّذِين أُرْسِل إِليْهِمْ ولنسْألنّ الْمُرْسلِين (6) فلنقُصّنّ عليْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِين (7) والْوزْنُ يوْمئِذٍ الْحقُّ فمنْ ثقُلتْ موازِينُهُ فأُولئِك هُمُ الْمُفْلِحُون (8) ومنْ خفّتْ موازِينُهُ فأُولئِك الّذِين خسِرُوا أنْفُسهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يظْلِمُون (9) ولقدْ مكّنّاكُمْ فِي الْأرْضِ وجعلْنا لكُمْ فِيها معايِش قلِيلًا ما تشْكُرُون (10) [الأعراف/4 - 10] }
وكثِيرٌ مِن القُرى (أوِ البِلادِ) أهْلك اللهُ أهْلها، لِمُخالفتِهِمْ رُسُل ربِّهِمْ فِيما جاؤُوهُمْ بِهِ، وتكْذِيبِهمْ إِيّاهُمْ، فأخْزاهُمُ اللهُ فِي الدُّنيا، وسيُذِلُّهُمْ فِي الآخِرةِ، فكان مِنْهُمْ منْ جاءهُمْ أمْرُ اللهِ وبأْسُهُ ليلا (بياتًا) ومِنْهُمْ منْ جاءهُمْ نهارًا وهُمْ يسْترِيحُون وسط النّهارِ (قائِلُون) ،وكِلا الوقْتينِ وقْتُ غفْلةٍ مِن النّاسِ ولهْوٍ، فعلى العاقِلِ ألاّ يغْترّ بِالدُّنْيا، وألاّ يأْمن غدْر اللّيالِي.
وحِين جاءهُمُ العذابُ لمْ يقُولُوا شيْئًا غيْر الاعْتِرافِ بِذُنُوبِهِمْ، وظُلْمِهِمْ فِيما كانُوا عليْهِ، وشهِدُوا بِبُطْلانِهِ، وبِأنّهُم حقِيقُون بِهذا العذابِ الذِي نزل بِهِمْ، وأنّ الله تعالى لمْ يظْلِمْهُمْ.
يقُولُ تعالى: إِنّهُ سيسْألُ الأُمم يوْم القِيامةِ عمّا أجابُوا بِهِ رُسُلهُمْ فِيما أرْسلهُمُ اللهُ بِهِ إِليْهِم، وسيسْألُ الرُّسُل أيْضًا عمّا بلّغُوهُ إلى الأُممِ مِنْ رِسالاتِ ربِّهِمْ، وعمّا أجابهُمْ بِهِ أقْوامُهُمْ.
وسيقُصُّ اللهُ تعالى، فِي ذلِك اليوْمِ، على الرُّسُلِ، وعلى أقْوامِهِمْ الذِين أُرْسِلُوا إِليْهِم، كُلّ ما وقع مِن الفرِيقيْنِ، قصصًا بِعِلْمٍ مِنْهُ مُحِيطٍ بِكُلِّ شيءٍ كان مِنْهُمْ، وما كان اللهُ غائِبًا عنْهُمْ فِي وقْتٍ مِن الأوْقاتِ، ولا فِي حالٍ مِن الأحْوالِ، بِلْ كان يسْمعُ ما يقُولُون، ويُبْصِرُ ما يعْملُون، ويُحِيطُ بِما يُسِرُّون ويُعْلِنُون. واللهُ تعالى يزِنُ أعْمالِ العِبادِ يوْم القِيامةِ، ويُقدِّرُها بِعدْلٍ تامٍّ (بِالحقِّ) ،فلا يظْلِمُ أحدًا شيْئًا، فالذِين ترْجحُ موازِينُ أعْمالِهِم الصّالِحةِ وحسناتُهُمْ (ثقُلتْ موازِينُهُمْ) فأُولئِك هُمُ الفائِزُون بِالنّجاةِ مِن العذابِ (المُفْلِحُون)
أمّا الذِين خفّتْ موازينُ أعْمالِهِم الصّالِحةِ، ورجحتْ سيِّئاتُهُمْ بِسببِ كُفْرِهِمْ، وكيثْرةِ ما اجْترحُوهُ مِن السّيِّئاتِ، فهؤُلاءِ يكُونُون قدْ خِسِرُوا أنْفُسهُمْ لأنّهُمْ حرمُوها السّعادة التِي كانتْ مُسْتعِدّةً لها لوْ لمْ يُفْسِدُوا فِطْرتها. والمُؤْمِنُون على تفاوُتِ درجاتِهِمْ فِ الأعْمالِ، هُمُ المُفْلِحُون، فمنْ مات مِنْهُمْ فهُو
(1) - صحيح البخاري (6/ 74) (4686)
[ش (ليملي) ليمهل. (لم يفلته) لم يخلصه ولم يتركه حتى يستوفي عقابه. (وكذلك) أي كما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعذاب. (أخذ ربك) إهلاكه وعذابه. (أخذ القرى) أخذ أهلها / هود 102 /]