فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 849

لقدْ أهْلك اللهُ الأُمم السّالِفة: عادًا وثمُود وقوْم نُوحٍ وقوْم لُوطٍ وأصْحاب الأيْكةِ .. ودمّر قُراهُمْ بِسببِ كُفْرِهِمْ، وعِنادِهِمْ، وجعل لِمهْلِكِهِمْ وقْتًا مُعيّنًا (موْعِدًا) ،لا يزِيدُ ولا ينْقُصُ، فاحْذرُوا، أيُّها المُشْرِكُون، أنْ يُصِيبكُمْ ما أصابهُمْ إِنْ تماديْتُمْ فِي تكْذِيبِ رسُولِكُمْ مُحمّدٍ - صلى الله عليه وسلم - .. [1]

الإشارة هنا، إلى تلك القرى التي أهلكها الله من قبل، كقرى عاد، وثمود، ولوط .. فهذه القرى وغيرها ممن كفروا بآيات الله وعصوا رسله، قد أهلكهم الله، وعجّل لهم العذاب في الدنيا، ولم يمهلهم كما أمهل أهل هذه القرية «مكة» والقرى التي حولها، رحمة منه سبحانه وإكراما لنبيه الكريم .. وفى هذا تهديد لمشركى مكة، وإلفات لهم إلى أنهم واقعون تحت حكم القوم الهالكين، فتلك هى سنة الله التي قد خلت في عباده، لمن كفروا بالله، وعصوا رسله .. وقد كفر أهل مكة بالله، وعصوا رسله .. وإن فيما أخذ الله به القرى الظالمة من قبلهم لعبرة لهم .. وعلى هذا فإنه وإن أمهل الله أهل هذه القرية، فلم يعجل لها الهلاك، فإنهم هالكون لا محالة: «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» .فالضمير في «لِمَهْلِكِهِمْ» يعود إلى أهل مكة، وهو أولى من عوده إلى أهل القرى المشار إليها في أول الآية .. إذ كان قوله تعالى: «لَمَّا ظَلَمُوا» يحمل معه الموعد الذي أهلكوا فيه، وهو عند ظلمهم وكفرهم بالله، وعدوانهم على رسلهم .. [2]

تلك: أداة إشارة لمؤنث هي القرى، والكاف للخطاب، والخطاب هنا للنبي - صلى الله عليه وسلم -،وأمتُه مُنْضوية في خطابه؛ لأن خطابَ الرسول خطاب لأمته. لكن الإشارة لا تكون إلا لشيء معلوم موجود مُحَسٍّ، كما جاء في قوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى} [طه:17]

فأين هذه القُرَى؟ وهل كان لها وجود على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟

نعم، كان لهذه القرى آثار وأطلال تدل عليها ويراها النبي - صلى الله عليه وسلم - ويراها الناس في رحلاتهم إلى الشام وغيرها مثل: قُرَى ثمود قوم صالح، وقرى قوم لوط، وقد قال تعالى عنها: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات:137 - 138]

إذن: فتلك إشارة إلى موجود مُحَسٍّ دَالٍّ بما تبقّى منه على ما حاق بهذه القرى من عذاب الله، وما حلَّ بها من بَأْسِه الذي لا يُرَدُّ عن القوم الظالمين. وكلمة {القرى} جمع قرية، وتُطلَق على المكان الذي تتوفّر فيه مُقوِّمات الحياة وضرورياتها، بل بها ما يزيد على الضروريات ومُقوّمات الحياة العادية؛ لأن القرية لا تُطلَق إلا على مكان تتسع فيه مُقوِّمات الحياة اتساعًا يكفي لمن يطرأ عليها من الضيوف فيجد بها قِرَى. فإنْ كانت قرية كبيرة يأتيها الرزق الوفير من كل مكان كأنها أُمٌّ، نسميها (أم القرى) . [3]

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2199، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - التفسير القرآني للقرآن (8/ 639)

(3) - تفسير الشعراوي (14/ 8945)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت