فهرس الكتاب

الصفحة 653 من 849

تدبير يدبرونه فصدقه النبي، وقبل ما اعتذر به، وردّ عمر بن الخطاب حين قال: ألا أضرب عنقه يا رسول الله، بقوله- صلوات الله وسلامه عليه: «وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد عفوت عنكم» وهكذا أعفا النبي عن هذا الصحابي الذي شهد بدرا، ثم تنزلت آيات الله في مواجهة هذه الحادثة، فكان منها هذا الدرس الخالد للمسلمين، يقيم لهم دستورا حكيما، يحرس إيمانهم من أن تفسده مشاعر المودة بينهم وبين أعداء الله وأعداء المؤمنين بالله. [1]

ذكر كثير من المفسرين، [رحمهم الله] ،أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة الفتح، فكتب حاطب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم، ليتخذ بذلك يدا عندهم لا [شكا و] نفاقا، وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب.

وعاتب حاطبا، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي - صلى الله عليه وسلم -،وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، وإلقاء المودة إليهم، وأن ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو، الذي لا يبقي من مجهوده في العداوة شيئا، وينتهز الفرصة في إيصال الضرر إلى عدوه، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} اعملوا بمقتضى إيمانكم، من ولاية من قام بالإيمان، ومعاداة من عاداه، فإنه عدو لله، وعدو للمؤمنين.

فلا تتخذوا عدو الله {وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} أي: تسارعون في مودتهم وفي السعي بأسبابها، فإن المودة إذا حصلت، تبعتها النصرة والموالاة، فخرج العبد من الإيمان، وصار من جملة أهل الكفران، وانفصل عن أهل الإيمان.

وهذا المتخذ للكافر وليا، عادم المروءة أيضا، فإنه كيف يوالي أعدى أعدائه الذي لا يريد له إلا الشر، ويخالف ربه ووليه الذي يريد به الخير، ويأمره به، ويحثه عليه؟! ومما يدعو المؤمن أيضا إلى معاداة الكفار، أنهم قد كفروا بما جاء المؤمنين من الحق، ولا أعظم من هذه المخالفة والمشاقة، فإنهم قد كفروا بأصل دينكم، وزعموا أنكم ضلال على غير هدى.

والحال أنهم كفروا بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ومن رد الحق فمحال أن يوجد له دليل أو حجة تدل على صحة قوله، بل مجرد العلم بالحق يدل على بطلان قول من رده وفساده.

ومن عداوتهم البليغة أنهم {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} أيها المؤمنون من دياركم، ويشردونكم من أوطانكم، ولا ذنب لكم في ذلك عندهم، إلا أنكم تؤمنون بالله ربكم الذي يتعين على الخلق كلهم القيام بعبوديته، لأنه رباهم، وأنعم عليهم، بالنعم الظاهرة والباطنة، وهو الله تعالى.

(1) - التفسير القرآني للقرآن (14/ 890)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت