المؤمنين- إن يظفروا بكم في حرب بين المؤمنين وبينهم، لن يبقوا على هذا الود الذي تحسبونه قائما بينكم وبينهم، بل إنهم سيكونون لكم في تلك الحال أعداء، يبسطون إليكم أيديهم بالأذى، وألسنتهم بالسوء، بل إنهم ليفعلون بكم أكثر من هذا، وهو حملكم على أن تعودوا إليهم كفارا .. فهذا هو الذي يقطع عداوتهم لكم ..
وفى قوله تعالى: «يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً» - إشارة إلى أن هذه المودة التي بين بعض المؤمنين والمشركين، هى التي تخفى هذه العداة التي في صدور المشركين لهم- فإذا أمكنت الفرصة المشركين منهم، ظهرت هذه العداوة الكامنة ..
وفى قوله تعالى: «وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ» - بعطف الفعل الماضي على فعل المستقبل «يبسطوا» - في هذا إشارة إلى أن هذه الرغبة، أي رغبة المشركين في أن يكفر المؤمنون- هى رغبة قديمة، من يوم أن آمن هؤلاء المؤمنون .. إنها رغبة لم تنقطع بالهجرة، ولا بالمودّة التي تجرى بينهم وبين هؤلاء المؤمنين، بل هى قائمة في صدور المشركين، لن تموت أبدا إلا بعودة المؤمنين كفارا ..
قوله تعالى: «لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» أي أنه- أيها المؤمنون- لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم الذين أمسكوا بشركهم، فقد أصبحتم في حزب الله، وظلّوا هم في حزب الشيطان، ولن يجتمع حزب الله وحزب الشيطان، ولن يتبادلوا المنافع بينهم .. فليس في جانب المشركين إلا السوء والضلال .. وكما فرق الإيمان بينكم وبين أرحامكم وأولادكم المشركين في الدنيا، كذلك يفرق بينكم وبينهم يوم القيامة .. فأنتم في رحمة الله ورضوانه، وهم في سخط الله وعذابه ..
قيل إن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبى بلتعة- وهو صحابىّ ممن شهد بدرا- وكان ذلك بعد صلح الحديبية، وبعد أن نقضت قريش شروط الصلح التي صالحها عليها النبي يومئذ .. وكان النبىّ يعدّ العدّة لفتح مكة، ويتجهز لهذا في سر وخفاء، حتى لا تعلم قريش، وتستعد للحرب ..
وكان حاطب بن أبى بلتعة حين هاجر من مكة قد خلّف بعض أهله بها، ولم يكن له في مكة عصبية تحمى أهله المخلفين هناك، من أذى قريش، فأراد أن يصطنع عند قريش يدا ينتفع بها أهله عندهم، فبعث إليهم برسالة مع امرأة من مكة كانت قد وفدت إلى المدينة، فلما قفلت راجعة إلى مكة، أعطاها «حاطب» رسالة إلى قريش، يعلمهم فيها أن النبي يعد العدة لحربهم، وأوصى المرأة أن تخفى الرسالة، وأن تكتم أمرها، لقاء مال أعطاها إياه .. فلما أخذت المرأة طريقها إلى مكة، جاء خبر السماء إلى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- بما كان من هذا الحدث، فبعث النبي بجماعة من أصحابه فيهم على بن أبى طالب رضى الله عنه، يتبعون المرأة، ويأخذون الرسالة التي معها .. فلما جىء بالرسالة إلى النبي، دعا إليه حاطبا، وسأله عن أمر هذه الرسالة، فاعترف بها، واعتذر للنبى صادقا، بأنه لم يرد بهذا كيدا للمسلمين، ولا ممالأة للمشركين، وإنه ليعلم أن الله سيؤيد النبي بنصره، وأنه لن يغنى عن قريش أي