فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 849

بالحب .. والعبد من صنع يديه - سبحانه - وهو الجليل العظيم، الحي الدائم، الأزلي الأبدي، الأول والآخر والظاهر والباطن. وحب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها كذلك إلا من ذاقها .. وإذا كان حب اللّه لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما، وفضلا غامرا جزيلا، فإن إنعام اللّه على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد، الذي لا نظير له في مذاقات الحب كلها ولا شبيه .. هو إنعام هائل عظيم .. وفضل غامر جزيل.

وإذا كان حب اللّه لعبد من عبيده أمرا فوق التعبير أن يصفه، فإن حب العبد لربه أمر قلما استطاعت العبارة أن تصوره إلا في فلتات قليلة من كلام المحبين .. وهذا هو الباب الذي تفوق فيه الواصلون من رجال التصوف الصادقين - وهم قليل من بين ذلك الحشد الذي يلبس مسوح التصوف ويعرف في سجلهم الطويل - ولا زالت أبيات رابعة العدوية تنقل إلى حسي مذاقها الصادق لهذا الحب الفريد، وهي تقول [1] :

فليتك تحلو والحياة مريرة ... و ليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر ... و بيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين ... و كل الذي فوق التراب تراب

وهذا الحب من الجليل للعبد من العبيد، والحب من العبد للمنعم المتفضل، يشيع في هذا الوجود ويسري في هذا الكون العريض، وينطبع في كل حي وفي كل شيء، فإذا هو جو وظل يغمران هذا الوجود، ويغمران الوجود الإنساني كله ممثلا في ذلك العبد المحب المحبوب ..

والتصور الإسلامي يربط بين المؤمن وربه بهذا الرباط العجيب الحبيب .. وليست مرة واحدة ولا فلتة عابرة .. إنما هو أصل وحقيقة وعنصر في هذا التصور أصيل: «إِنّ الّذِين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحاتِ سيجْعلُ لهُمُ الرّحْمنُ وُدًّا» .. «إِنّ ربِّي رحِيمٌ ودُودٌ» .. «وهُو الْغفُورُ الْودُودُ» .. «وإِذا سألك عِبادِي عنِّي فإِنِّي قرِيبٌ أُجِيبُ دعْوة الدّاعِ إِذا دعانِ» .. «والّذِين آمنُوا أشدُّ حُبًّا لِلّهِ» .. «قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّون اللّه فاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ» .. وغيرها كثير ...

وعجبا لقوم يمرون على هذا كله، ليقولوا: إن التصور الإسلامي تصور جاف عنيف، يصور العلاقة بين اللّه والإنسان علاقة قهر وقسر، وعذاب وعقاب، وجفوة وانقطاع ... لا كالتصور الذي يجعل المسيح ابن اللّه وأقنوم الإله، فيربط بين اللّه والناس، في هذا الازدواج! إن نصاعة التصور الإسلامي في الفصل بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، لا تجفف ذلك الندى الحبيب، بين اللّه والعبيد، فهي علاقة الرحمة

(1) - الأبيات نسبت لشعراء عدة انظر: جميع دواوين الشعر العربى على مر العصور ـ محتويات موقع أدب - (77/ 246) وجميع دواوين الشعر العربى على مر العصور ـ محتويات موقع أدب - (79/ 104) وزهر الأكم في الأمثال و الحكم - (1/ 98) ونفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (2/ 611)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت