فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 849

وكُلُّ منْ رضِي بِمُوالاةِ اللهِ ورسُولِهِ والمُؤمِنِين هُو مُفْلِحٌ فِي الدُّنْيا والآخِرةِ، وهُو منْصُورٌ فِي الدُّنْيا والآخِرةِ، لأنّهُ يكُونُ فِي حِزْبِ اللهِ، وحِزْبِ اللهِ هُمُ الغالِبُون، ولا يُغْلبُ منْ يتوالاّهُمُ اللهُ. [1]

إن تهديد من يرتد عن دينه من الذين آمنوا - على هذه الصورة. وفي هذا المقام - ينصرف - ابتداء - إلى الربط بين موالاة اليهود والنصارى وبين الارتداد عن الإسلام. وبخاصة بعد ما سبق من اعتبار من يتولاهم واحدا منهم، منسلخا من الجماعة المسلمة منضما إليهم: «ومنْ يتولّهُمْ مِنْكُمْ فإِنّهُ مِنْهُمْ» .. وعلى هذا الاعتبار يكون هذا النداء الثاني في السياق توكيدا وتقريرا للنداء الأول .. يدل على هذا كذلك النداء الثالث الذي يلي هذا النداء والسياق، وهو منصب على النهي عن موالاة أهل الكتاب والكفار، يجمع بينهم على هذا النحو، الذي يفيد أن موالاتهم كموالاة الكفار سواء، وأن تفرقة الإسلام في المعاملة بين أهل الكتاب والكفار، لا تتعلق بقضية الولاء، إنما هي في شئون أخرى لا يدخل فيها الولاء ..

«يا أيُّها الّذِين آمنُوا منْ يرْتدّ مِنْكُمْ عنْ دِينِهِ، فسوْف يأْتِي اللّهُ بِقوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونهُ، أذِلّةٍ على الْمُؤْمِنِين أعِزّةٍ على الْكافِرِين، يُجاهِدُون فِي سبِيلِ اللّهِ ولا يخافُون لوْمة لائِمٍ. ذلِك فضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ منْ يشاءُ واللّهُ واسِعٌ علِيمٌ» ..

إن اختيار اللّه للعصبة المؤمنة، لتكون أداة القدر الإلهي في إقرار دين اللّه في الأرض، وتمكين سلطانه في حياة البشر، وتحكيم منهجه في أوضاعهم وأنظمتهم، وتنفيذ شريعته في أقضيتهم وأحوالهم، وتحقيق الصلاح والخير والطهارة والنماء في الأرض بذلك المنهج وبهذه الشريعة .. إن هذا الاختيار للنهوض بهذا الأمر هو مجرد فضل اللّه ومنته. فمن شاء أن يرفض هذا الفضل وأن يحرم نفسه هذه المنة .. فهو وذاك. واللّه غني عنه - وعن العالمين. واللّه يختار من عباده من يعلم أنه أهل لذلك الفضل العظيم.

والصورة التي يرسمها للعصبة المختارة هنا، صورة واضحة السمات قوية الملامح، وضيئة جذابة حبيبة للقلوب: «فسوْف يأْتِي اللّهُ بِقوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونهُ» ..

فالحب والرضى المتبادل هو الصلة بينهم وبين ربهم .. الحب .. هذا الروح الساري اللطيف الرفاف المشرق لرائق البشوش .. هو الذي يربط القوم بربهم الودود.

وحب اللّه لعبد من عبيده، أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من يعرف اللّه - سبحانه - بصفاته كما وصف نفسه، وإلا من وجد إيقاع هذه الصفات في حسه ونفسه وشعوره وكينونته كلها .. أجل لا يقدر حقيقة هذا العطاء إلا الذي يعرف حقيقة المعطي .. الذي يعرف من هو اللّه .. من هو صانع هذا الكون الهائل، وصانع الإنسان الذي يلخص الكون وهو جرم صغير! من هو في عظمته. ومن هو في قدرته. ومن هو في تفرده. ومن هو في ملكوته .. من هو ومن هذا العبد الذي يتفضل اللّه عليه منه

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 724، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت