فهرس الكتاب

الصفحة 602 من 849

بل وأكثر من هذا .. فإنكم كنتم تتخذون مما تسمعون من آيات الله، مادة للسّمر في أنديتكم، ومجالا للسخرية والاستهزاء بها فيما بينكم .. «مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ .. سامِرًا تَهْجُرُونَ» .. والضمير في «به» يعود إلى ما يتلى عليهم من آيات الله، وما يسمعون من كلماته .. وقد عدّى الفعل «استكبر» بحرف الجرّ الباء، لتضمنه معنى الاستهزاء .. أي أنكم لاستكباركم تلقون ما تسمعون من آيات الله، باستهزاء وسخرية ..

فهى سخرية المستكبر، واستهزاء المتعالي .. «والسامر» مجتمع القوم للسمر.

ونصب «سامِرًا» على أنه مفعول له .. أي لأجل السامر تهجرون مجلس الاستماع إلى القرآن .. «سامِرًا تَهْجُرُونَ» .. لأن السامر يحمل معنى السّمر، وسمر القوم هو عبث ولهو، فكأن المعنى: لهوا ولعبا تهجرون الاستماع إلى كلام الله .. والجملة حال أخرى- من فاعل «تَنْكِصُونَ» .. ويجوز أن يكون «تَهْجُرُونَ» من الهجر، وهو الفحش في القول .. ويكون «سامِرًا» منصوبا على الحال من الضمير المستكن في «مُسْتَكْبِرِينَ» ويكون السامر بمعنى الاجتماع .. وجملة «تهجرون» حال من الضمير في السامر بمعنى الاجتماع ..

بمعنى أنكم كنتم تنكصون على أعقابكم عند الاستماع إلى آيات الله، وقد اشتملت عليكم أكثر من حال .. إذ تنكصون .. مستهزئين، سامرين، متفحشين .. [1]

{حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} أي متنعميهم الذين ما اعتادوا إلا الترف والرفاهية والنعيم ولم تحصل لهم المكاره فإذا أخذناهم {بِالْعَذَابِ} ووجدوا مسه {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} يصرخون ويتوجعون لأنه أصابهم أمر خالف ما هم عليه ويستغيثون فيقال لهم {لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ} وإذا لم تأتهم النصرة من الله وانقطع عنهم الغوث من جانبه لم يستطيعوا نصر أنفسهم ولم ينصرهم أحد

فكأنه قيل ما السبب الذي أوصلهم إلى هذا الحال؟ قال {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} لتؤمنوا بها وتقبلوا عليها فلم تفعلوا ذلك بل {كُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} أي راجعين القهقرى إلى الخلف وذلك لأن باتباعهم القرآن يتقدمون وبالإعراض عنه يستأخرون وينزلون إلى أسفل سافلين {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} قال المفسرون معناه مستكبرين به الضمير يعود إلى البيت المعهود عند المخاطبين أو الحرم أي متكبرين على الناس بسببه تقولون نحن أهل الحرم فنحن أفضل من غيرنا وأعلى {سَامِرًا} أي جماعة يتحدثون بالليل حول البيت {تَهْجُرُونَ} أي تقولون الكلام الهجر الذي هو القبيح في هذا القرآن

فالمكذبون كانت طريقتهم في القرآن الإعراض عنه ويوصي بعضهم بعضا بذلك {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} وقال الله عنهم أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ *

(1) - التفسير القرآني للقرآن (9/ 1153)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت