ويُجِيبُهُم الرّبُ سُبْحانهُ وتعالى قائِلًا: لا تسْتغِيثُوا فلنْ يُجِيركُم اليوْم أحدٌ مِمّا حلّ بِكُمْ مِنْ سُوءِ العذابِ، سواءٌ اسْتغثْتُم وصرخْتُمْ، أو سكتُّم، ولنْ ينْصُركُم أحدٌ مِنْ اللهِ، فقدْ قُضِي الأمْرُ، ووجب العذابُ.
لقدْ كانتْ آياتُ اللهِ تُتْلى عليْكُم بالحقِّ، فكُنْتُمْ تسْتكْبِرُون عنْ سماعِها، وتسْخرُون مِنْها، وتُعْر ِضُون عنْها، وتُدِيرُون ظُهُوركُمْ إِليْها ولِذلِك فلا عُذْر لكُم اليوْم.
وقدْ كُنْتُم تُعْرِضُون عن الإِيْمانِ وأنْتًمْ تسْتكْبِرُون بالبيْتِ الحرامِ، وتقُولُون: نحْن أهْلُ حرمِ اللهِ، وخُدّامُ بيْتِهِ، فلا يُظْهِرُ عليْنا أحدًا، ولا نخافُ أحدًا، وكُنْتُم تسْمرُون حوْل البيْتِ، وتتناولُون القُرْآن بالُجِرِ مِن القوْلِ (سامِرًا تهْجُرُون) .. [1]
والمعنى: أن هؤلاء المشركين الغافلين عن آيات الله، المشغولين بهذا العبث الذي هم فيه مع معبوداتهم- سيظلون على ما هم فيه من غفلة، حتى إذا جاء وقت الحساب والجزاء، وسيقوا إلى جهنم- فزعوا، وعلا صياحهم، وارتفع صراخهم، من هذا الهول الذي هم فيه ..
وفى اختصاص المترفين من المشركين بالذكر، عرض لأبرز مثل فيهم، وهم المنعمون من المشركين، أصحاب المال، والجاه .. فهؤلاء إذا أخذوا، وفعل بهم هذا البلاء، ولم يغن عنهم ما لهم ولم يشفع لهم جاههم- كان غيرهم ممن لا مال له ولا جاه، أشدّ خوفا من لقاء هذا العذاب، الذي ينتظره، وقد سبقه إليه من كانوا على الشرك مثله، ولم يشفع لهم مال أو سلطان .. فكيف بمن لا مال له ولا سلطان؟
قوله تعالى: «لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ» .
هذا هو الردّ على هذا الصراخ، الذي يتعاوى به المترفون من المشركين، وهم في العذاب المهين .. «لا تَجْأَرُوا» فإنه لا فائدة ترجى من وراء هذا الصّراخ .. إنه لا يسمع أحد لكم، ولا يخفّ أحد لنجدتكم .. «إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ» .. فليس لأحد قدرة على أن يدفع عنكم هذا العذاب الذي حكم الله به عليكم ..
قوله تعالى: «قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ» .
أي لا تلوموا إلا أنفسكم، فقد كانت النجاة من هذا البلاء بين أيديكم، لو أنكم استمعتم إلى آياتي وآمنتم بها. ولكنكم كنتم إذا وقع إلى آذانكم شىء منها نفرتم كما ينفر الحيوان الوحشىّ حين يرى وجه إنسان .. فرجعتم على أعقابكم، في حركة منكوسة، وعيونكم إلى مصدر هذا الصوت الذي يسمعكم ما سمعتم من آيات الله، تنظرون إليه في حذر وخوف، كما ينظر العدو إلى عدوه .. !
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2617، بترقيم الشاملة آليا)