فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 849

مُعاذٍ، وقال: دعْنا مِنْك، فلعمْرِي لقدْ جِئْنا لِغيْرِ هذا، قال: فصمت إِياسُ بْنُ مُعاذٍ، وقام رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عنْهُمْ، وانْصرفُوا إِلى الْمدِينةِ، وكانتْ وقْعةُ بُعاثٍ بيْن الْأوْسِ والْخزْرجِ، قال: ثُمّ لمْ يلْبثْ إِياسُ بْنُ مُعاذٍ أنْ هلك قال: فلمّا أراد اللّهُ إِظْهار دِينِهِ، وإِعْزاز نبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -،وإِنْجاز موْعِدِهِ لهُ، خرج رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْموْسِم الّذِي لقِي فِيهِ النّفْر مِن الْأنْصارِ يعْرِضُ نفْسهُ على قبائِلِ الْعربِ كما كان يصْنعُ فِي كُلِّ مُوسِمٍ، فبيْنا هُو عِنْد الْعقبةِ، إِذْ لقِي رهْطًا مِن الْخزْرجِ أراد اللّهُ لهُمْ خيْرًا، قال ابْنُ حُميْدٍ: قال سلمةُ: قال مُحمّدُ بْنُ إِسْحاق: فحدّثنِي عُمر بْنِ قتادة عنْ أشْياء مِنْ قوْمِهِ، قالُوا: لمّا لقِيهُمْ رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال لهُمْ:"منْ أنْتُمْ؟"قالُوا: نفرٌ مِن الْخزْرجِ، قال: وأمِنْ موالِي يهُود؟"قالُوا: نعمْ، قال:"أفلا تجْلِسُون حتّى أُكلِّمكُمْ؟"قالُوا: بلى، قال: فجلسُوا معهُ، فدعاهُمْ إِلى اللّهِ وعرض عليْهِمُ الْإِسْلام، وتلا عليْهِمُ الْقُرْآن، قال: وكان مِمّا صنع اللّهُ لهُمْ بِهِ فِي الْإِسْلامِ أنْ يهُود كانُوا معهُمْ بِبِلادِهِمْ، وكانُوا أهْل كِتابٍ وعِلْمٍ، وكانُوا أهْل شِرْكٍ أصْحاب أوْثانٍ، وكانُوا قدْ غزوْهُمْ بِبِلادِهِمْ، فكانُوا إِذا كان بيْنهُمْ شيْءٌ، قالُوا لهُمْ: إِنّ نبِيًّا الْآن مبْعُوثٌ قدْ أظلّ زمانُهُ نتّبِعُهُ ونقْتُلُكُمْ معهُ قتْل عادِ وإِرمٍ، فلمّا كلّم رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُولئِك النّفْر، ودعاهُمْ إِلى اللّهِ عزّ وجلّ، قال بعْضُهُمْ لِبعْضٍ: يا قوْمُ تعْلمُون واللّهِ إِنّهُ للنّبِيُّ الّذِي تُوعِدُكُمْ بِهِ يهُودُ، ولا يسْبِقنّكُمْ إِليْهِ، فأجابُوهُ فِيما دعاهُمْ إِليْهِ بِأنْ صدّقُوهُ، وقبِلُوا مِنْهُ ما عرض عليْهِمْ مِن الْإِسْلامِ، وقالُوا لهُ: إِنّا قدْ تركْنا قوْمنا، ولا قوْم بيْنهُمْ مِن الْعداوة والشّرِّ ما بيْنهُمْ، وعسى أنْ يجْمعهُمُ اللّهُ بِك، وسنقْدُمُ عليْهِمْ، فندْعُوهُمْ إِلى أمْرِك، ونعْرِض عليْهِمُ الّذِي أجبْناك إِليْهِ مِنْ هذا الدِّينِ، فإِنْ يجْمعهُمُ اللّهُ عليْهِ، فلا رجُل أعزُّ مِنْك ثُمّ انْصرفُوا عنْ رسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -،راجِعِين إِلى بِلادِهِمْ، قدْ آمنُوا وصدّقُوا، وهُمْ فِيما ذُكِر لِي سِتّةُ نفرٍ، قال: فلمّا قدِمُوا الْمدِينة على قوْمِهِمْ، ذكرُوا لهُمْ رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -،ودعوْهُمْ إِلى الْإِسْلامِ، حتّى فشا فِيهِمْ، فلمْ يبْق دارٌ مِنْ دُورِ الْأنْصارِ إِلّا وفِيها ذِكْرٌ مِنْ رسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حتّى إِذا كان الْعامُ الْمُقْبِلُ، وافى الْموْسِم مِن الْأنْصارِ اثْنا عشر رجُلًا، فلقوْهُ بِالْعقبةِ، وهِي الْعقبةُ الْأُولى، فبايعُوا رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - على بيْعةِ النِّساءِ، وذلِك قبْل أنْ تُفْترض عليْهِمُ الْحرْبُ". [1] .

وكذلك بين اللّه لهم فاهتدوا، وحق فيهم قول اللّه سبحانه في التعقيب في الآية: «كذلِك يُبيِّنُ اللّهُ لكُمْ آياتِهِ لعلّكُمْ تهْتدُون» .

فهذه صورة من جهد يهود لتقطيع حبل اللّه بين المتحابين فيه، القائمين على منهجه، لقيادة البشرية في طريقه .. هذه صورة من ذلك الكيد الذي تكيده يهود دائما للجماعة المسلمة، كلما تجمعت على منهج اللّه واعتصمت بحبله. وهذه ثمرة من ثمار طاعة أهل الكتاب. كادت ترد المسلمين الأولين كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض. وتقطع بينهم حبل اللّه المتين، الذي يتآخون فيه مجتمعين. وهذه صلة هذه الآية بالآيات قبلها في هذا السياق.

(1) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (6907) حسن مرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت