فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 849

وميثاقه. كذلك يرسم النص صورة لما كانوا فيه. بل مشهدا حيا متحركا تتحرك معه القلوب: «وكُنْتُمْ على شفا حُفْرةٍ مِن النّارِ» .. وبينما حركة السقوط في حفرة النار متوقعة، إذا بالقلوب ترى يد اللّه، وهي تدرك وتنقذ! وحبل اللّه وهو يمتد ويعصم. وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب! وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة، وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال!

وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود مرّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هُمْ عليه من الاتفاق والألْفة، فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بُعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبُه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم فجعل يُسكِّنهم ويقول:"أبِدعْوى الجاهِلِيّةِ وأنا بيْن أظْهُرِكُمْ؟"وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح، رضي الله عنهم وذكر عِكْرِمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفْك. والله أعلم. [1] .

وعن عاصِم بْنِ عُمر بْنِ قتادة الْمدنِيِّ، عنْ أشْياخٍ، مِنْ قوْمِهِ، قالُوا:"قدِم سُويْدُ بْنُ صامِتٍ أخُو بنِي عمْرِو بْنِ عوْفٍ مكّة حاجًّا أوْ مُعْتمِرًا. قال: وكان سُويْدٌ إِنّما يُسمِّيهِ قوْمُهُ فِيهِمُ الْكامِل لِجلدِهِ وشِعْرِهِ ونسبِهِ وشرفِهِ، قال: فتصدّى لهُ رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِين سمِع بِه، فدعاهُ إِلى اللّهِ عزّ وجلّ وإِلى الْإِسْلامِ، قال: فقال لهُ سُويْدٌ: فلعلّ الّذِي معك مِثْلُ الّذِي معِي، قال: فقال لهُ رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم:"وما الّذِي معك؟"قال مِجلّةُ لُقْمان يعْنِي حِكْمة لُقْمان فقال لهُ رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم:"اعْرِضْها عليّ"فعرضها عليْهِ، فقال:"إِنّ هذا الْكلام حسنٌ، معِي أفْضلُ مِنْ هذا قُرْآنٌ أنْزلهُ اللّهُ عليّ هُدًى ونُورٌ"،قال: فتلا عليْهِ رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْقُرْآن ودعاهُ إِلى الْإِسْلامِ، فلمْ يبْعدْ مِنْهُ، وقال: إِنّ هذا الْقوْل حسنٌ ثُمّ انْصرف عنْهُ، وقدِم الْمدِينة، فلمْ يلْبثْ أنْ قتلتْهُ الْخزْرجُ، فإِنْ كان قوْمُهُ ليقُولُون: قدْ قُتِل وهُو مُسْلِمٌ، وكان قتْلُهُ قبْل يوْمِ بُعاثٍ" [2] .

وعنْ مُحمّدِ بْنِ إِسْحاق، قال: ثني الْحُسيْنُ بْنُ عبْدِ الرّحْمنِ بْنِ عمْرِو بْنِ سعْدِ بْنِ مُعاذٍ أحدُ بنِي عبْدِ الْأشْهلِ أنّ محْمُود بْن أسدٍ أحد بنِي عبْدِ الْأشْهلِ، قال: لمّا قدِم أبُو الْجيْشِ أنسُ بْنُ رافِعٍ مكّة، ومعهُ فِتْيةٌ مِنْ بنِي عبْدِ الْأشْهلِ فِيهِمْ إِياسُ بْنُ مُعاذٍ، يلْتمِسُون الْحلِف مِنْ قُريْشٍ على قوْمٍ مِن الْخزْرجِ، سمِع بِهِمْ رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فأتاهُمْ فجلس إِليْهِمْ، فقال:"هلْ لكُمْ إِلى خيْرٍ مِمّا جِئْتُمْ لهُ؟"قالُوا: وما ذاك؟ قال:"أنا رسُولُ اللّهِ بعثني إِلى الْعِبادِ أدْعُوهُمْ إِلى اللّهِ أنْ يعْبُدُوا اللّه ولا يُشْرِكُوا بِهِ شيْئًا، وأنْزل عليّ الْكِتاب"،ثُمّ ذكر لهُمُ الْإِسْلام، وتلا عليْهِمُ الْقُرْآن، فقال إِياسُ بْنُ مُعاذٍ، وكان غُلامًا حدثًا: أيْ قوْمِ، هذا واللّهِ خيْرٌ مِمّا جِئْتُمْ لهُ، قال: فأخذ أبُو الْجيْشِ أنسُ بْنُ رافِعٍ حِفْنةً مِن الْبطْحاءِ فضرب بِها وجْه إِياسِ بْنِ

(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [2/ 90]

(2) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (6906) صحيح مرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت