فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 849

«وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ - لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها -» .

وهذه في المبادلات التجارية بين الناس في حدود طاقة التحري والإنصاف. والسياق يربطها بالعقيدة لأن المعاملات في هذا الدين وثيقة الارتباط بالعقيدة. والذي يوصي بها ويأمر هو اللّه. ومن هنا ترتبط بقضية الألوهية والعبودية، وتذكر في هذا المعرض الذي يبرز فيه شأن العقيدة، وعلاقتها بكل جوانب الحياة ..

ولقد كانت الجاهليات - كما هي اليوم - تفصل بين العقيدة والعبادات، وبين الشرائع والمعاملات .. من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن قوم شعيب: «قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا» ؟! ومن ثم يربط السياق القرآني بين قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع والشراء، وبين هذا المعرض الخاص بالعقيدة، للدلالة على طبيعة هذا الدين، وتسويته بين العقيدة والشريعة، وبين العبادة والمعاملة، في أنها كلها من مقومات هذا الدين، المرتبطة كلها في كيانه الأصيل.

«وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى» ..

وهنا يرتفع الإسلام بالضمير البشري - وقد ربطه باللّه ابتداء - إلى مستوى سامق رفيع، على هدى من العقيدة في اللّه ومراقبته .. فهنا مزلة من مزلات الضعف البشري. الضعف الذي يجعل شعور الفرد بالقرابة هو شعور التناصر والتكامل والامتداد بما أنه ضعيف ناقص محدود الأجل وفي قوة القرابة سند لضعفه وفي سعة رقعتها كمال لوجوده، وفي امتدادها جيلا بعد جيل ضمان لامتداده! ومن ثم يجعله ضعيفا تجاه قرابته حين يقف موقف الشهادة لهم أو عليهم، أو القضاء بينهم وبين الناس .. وهنا في هذه المزلة يأخذ الإسلام بيد الضمير البشري ليقول كلمة الحق والعدل، على هدى من الاعتصام باللّه وحده، ومراقبة اللّه وحده، اكتفاء به من مناصرة ذوي القربى، وتقوى له من الوفاء بحق القرابة دون حقه وهو - سبحانه - أقرب إلى المرء من حبل الوريد ..

لذلك يعقب على هذا الأمر - وعلى الوصايا التي قبله - مذكرا بعهد اللّه: «وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا» ..

ومن عهد اللّه قولة الحق والعدل ولو كان ذا قربى. ومن عهد اللّه توفية الكيل والميزان بالقسط. ومن عهد اللّه ألا يقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن. ومن عهد اللّه حرمة النفس إلا بالحق .. وقبل ذلك كله .. من عهد اللّه ألا يشركوا به شيئا. فهذا هو العهد الأكبر، المأخوذ على فطرة البشر، بحكم خلقتها متصلة بمبدعها، شاعرة بوجوده في النواميس التي تحكمها من داخلها كما تحكم الكون من حولها.

ثم يجيء التعقيب القرآني في موضعه بعد التكاليف: «ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت