ولما نزلتْ هذِهِ الآيةُ شقّ ذلِك على المُسْلِمِين، فأخذُوا فِي عزْلِ مالِ اليتِيمِ وطعامِهِ، عنْ مالِهِمْ، فكان طعامُ اليتِيمِ يفْسدُ، لا يمسُّهُ أحدٌ مِمّنْ هُو عِنْدهُمْ. فشكوا ذلِك لِلْنّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فأنْزل اللهُ تعالى قوْلهُ {ويسْألُونك عنِ اليتامى قُلْ إِصْلاحٌ لّهُمْ خيْرٌ وإِنْ تُخالِطُوهُمْ فإِخْوانُكُمْ.} فاللهُ تعالى يأْمُرُ النّاس بِمُراعاةِ مصْلحةِ اليتِيمِ، والعِنايةِ بِمالِهِ، وعدمِ التّصرُّفِ فِيهِ إلاّ بِالتِي هِي أحْسنُ، ويُحذِّرهُمْ تعالى مِن التّجاوُزِ على مالِ اليتِيمِ. ويقُولُ تعالى: إنّ مِمّا أوْصى بِهِ النّاس أيْضًا: إِيفاء الكيْلِ والمِيْزانِ عِنْد البيْعِ والشِّراءِ، وعدم غمْطِ النّاسِ حُقُوقهُمْ واللهُ تعالى يدْعُو المُؤْمِن أنْ يبْلُغ جُهْدهُ فِي أداءِ ذلِك، فإِذا بلغ جُهْدهُ، وعمِل ما فِي وُسْعِهِ، يكُونُ قدْ قام بِأمْرِ اللهِ، ولا حرج عليْهِ إِن أخطأ بعْد ذلِك، لأنّ الله لا يُكلِّفُ نفْسًا إلاّ وُسْعها، وقدر طاقتِها. ويقُولُ تعالى: إنّ مِمّا وصّى بِهِ النّاس أيْضًا العدْلُ فِي القوْلِ والفِعْلِ لِكُلِّ واحِدٍ فِي كُلِّ وقْتٍ، وفِي كُلِّ حالٍ: فِي الشّهادةِ وفِي الحُكْمِ وفِي الكيْلِ والمِيْزانِ، ولوْ كان الأمْرُ يتعلّقُ بِقرِيبٍ، فإِنّ القرابة والصّداقة يجِبُ ألاّ تصْرِفا الإِنْسان عنْ قوْلِ الحقِّ، وعنِ العدْلِ فِيهِ.
كما يأْمُرُ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين بِالوفاءِ بِعهْدِ اللهِ، والقِيامِ بِطاعتِهِ، فِيما أمر ونهى، وفِيما عاهدُوا النّاس عليْهِ
وهذا ما أوْصى بِهِ اللهُ المُؤْمِنِين، وأمرهُمْ بِهِ، وأكّد عليهِ. ويقُولُ تعالى: إذا اجْتهدْتُمْ بِالوفاءِ بِما أمر اللهُ، وتواصيْتُم بِالمعْرُوفِ وتناهيْتُمْ عنِ المُنْكرِ، فلعلّكُمْ إِنْ فعلْتُمْ ذلِك تتّعِظُون، وتنْتهُون عمّا كُنْتُمْ فِيهِ مِن الضّلالِ. [1]
واليتيم ضعيف في الجماعة، بفقده الوالد الحامي والمربي. ومن ثم يقع ضعفه على الجماعة المسلمة - على أساس التكافل الاجتماعي الذي يجعله الإسلام قاعدة نظامه الاجتماعي [2] - وكان اليتيم ضائعا في المجتمع العربي في الجاهلية. وكثرة التوجيهات الواردة في القرآن وتنوعها وعنفها أحيانا تشي بما كان فاشيا في ذلك المجتمع من ضيعة اليتيم فيه حتى انتدب اللّه يتيما كريما فيه فعهد إليه بأشرف مهمة في الوجود. حين عهد إليه بالرسالة إلى الناس كافة، وجعل من آداب هذا الدين الذي بعثه به رعاية اليتيم وكفالته على النحو الذي نرى منه هذا التوجيه: «وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ» .فعلى من يتولى اليتيم ألا يقرب ماله إلا بالطريقة التي هي أحسن لليتيم. فيصونه وينميه، حتى يسلمه له كاملا ناميا عند بلوغه أشده. أي اشتداد قوته الجسمية والعقلية. ليحمي ماله، ويحسن القيام عليه. وبذلك تكون الجماعة قد أضافت إليها عضوا نافعا وسلمته حقه كاملا.
وهناك خلاف فقهي حول سن الرشد أو بلوغ الأشد .. عند عبد الرحمن بن زيد وعند مالك، بلوغ الحلم. وعند أبي حنيفة خمسة وعشرون عاما. وعند السدي ثلاثون، وعند أهل المدينة بلوغ الحلم وظهور الرشد معا بدون تحديد.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 942، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - يراجع بتوسع فصل: «مجتمع متكافل» في كتاب: «نحو مجتمع إسلامي» . (السيد رحمه الله)