أن يخْدعُوك فإِنّ حسْبك اللّهُ هُو الّذِي أيّدك بِنصْرِهِ وبِالْمُؤْمِنِين (62) سورة الأنفال، قال ابن كثير:"أيْ جمعها على الْإِيمان بِك وعلى طاعتك ومُناصرتك ومُؤازرتك". [1]
فالجماعة التي تكون عاملًا أساسيًا في ظهور دعوة الحق وتمكينها، لا بد لها من أمرين:
1 -أن تكون مؤمنة.
2 -أن تكون مناصرة لدين الله حق المناصرة.
ومتى فقدت الجماعة هذين الأمرين أو أحدهما، أو نقصت في أحدهما، تخلف النصر والظهور، ولو كان ولاؤها لدين الله، ولا أدلّ على ذلك مما حدث مع نبي الله موسى وأخيه هارون -على نبينا وعليهم الصلاة والسلام-،وهما يستحثان قومهما للدخول في الأرض التي كتبها الله لهم.
قال سبحانه وتعالى على لسان موسى: {يا قوْمِ ادْخُلُوا الأرْض المُقدّسة الّتِي كتب اللّهُ لكُمْ ولا ترْتدُّوا على أدْبارِكُمْ فتنقلِبُوا خاسِرِين} (21) سورة المائدة، فعند التأمل في قوله"كتب لله لكم"نجد التعبير بكلمة (كتب) له غاية من التأكيد تفيد أن الأرض لهم قد كتبها الله في علم الأزل لهم وقدّر أنها ستكون تحت تصرفهم - وبالفعل كانت لهم فيما بعد ودخلوها - ولكن نرى هنا كيف نكلت الجماعة المؤمنة عن نصرة أمر الله، وتحقيق ما كتب الله لهم، فامتنعت عن القتال، وتلكأت عن تنفيذ الأمر بمعاذير هي غاية في الجبن والهلع وعدم الثقة بوعد الله ورسوله، وسوء الأدب مع الله وأنبيائه: {قالُواْ يا مُوسى إِنّا لن نّدْخُلها أبدًا مّا دامُواْ فِيها فاذْهبْ أنت وربُّك فقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُون} (24) سورة المائدة.
وعند فقدان المناصرة من الجماعة المؤمنة تأخر ذلك الوعد المكتوب بدخول بني إسرائيل ولم يتخلف في ذاته، وإنما تخلف أولئك الناكلون فلم يستحقوا أن ينالوا ما كُتِب لهم، وهنا نرى في وضوح كوضوح النهار كيف تنحطُّ الدعوةُ من مراتب عظيمة من التمكين، حين ينكل وينخذل أبناؤها من الجماعة المؤمنة، عن النصرة والتنفيذ لأوامر الله وما رضي الله لهم، عند ذلك قال نبي الله موسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام-: {قال ربِّ إِنِّي لا أمْلِكُ إِلّا نفْسِي وأخِي فافْرُقْ بيْننا وبيْن الْقوْمِ الْفاسِقِين (25) قال فإِنّها مُحرّمةٌ عليْهِمْ أرْبعِين سنةً يتِيهُون فِي الْأرْضِ فلا تأْس على الْقوْمِ الْفاسِقِين (26) } [المائدة/25،26] .
وهنا نلمس عبرة للمعتبرين ونراها. لقد أصبحت الأرض المكتوبة لهم محرمة عليهم جزاء إنخذالهم ونكولهم عن نصرة أمر الله ونبيه. وفي الجانب المشرق نرى كيف يكتب الله سبحانه وتعالى التمكين والرفعة للجماعة المؤمنة، حين تتبنى نصرة دين الله، ولو في ساعة العسرة، وكثرة المخالفين، وقلة
(1) - تفسير ابن كثير - (ج 6 / ص 265)