إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره.
إن الإسلام لا ينظر إلى العنوانات واللافتات والشارات التي تحملها هذه المجتمعات على اختلافها .. إنها كلها تلتقي في حقيقة واحدة .. وهي أن الحياة فيها لا تقوم على العبودية الكاملة لله وحده. وهي من ثم تلتقي - مع سائر المجتمعات الأخرى - في صفة واحدة .. صفة"الجاهلية"..
وهذا يقودنا إلى القضية الخطيرة وهي منهج الإسلام في مواجهة الواقع البشري كله .. اليوم وغدًا وإلى آخر الزمان .. وهنا ينفعنا ما قررناه في الفقرة الأولى عن"طبيعة المجتمع المسلم"،وقيامه على العبودية لله وحده في أمره كله.
إن تحديد هذه الطبيعة يجيب إجابة حاسمة عن هذا السؤال:
-ما الأصل الذي ترجع إليه الحياة البشرية وتقوم عليه؟ أهو دين الله ومنهجه للحياة؟ أم هو الواقع البشري أيًّا كان؟
إن الإسلام يجيب على هذا السؤال إجابة حاسمة لا يتلعثم فيها ولا يتردد لحظة .. إن الأصل الذي يجب أن ترجع إليه الحياة البشرية بجملتها هو دين الله ومنهجه للحياة .. إن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله التي هي ركن الإسلام الأول، لا تقوم ولا تؤدى إلا أن يكون هذا هو الأصل .. وأن العبودية لله وحده مع التلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تتحقق إلا أن يعترف بهذا الأصل، ثم يتبع اتباعًا كاملًا بلا تلعثم ولا تردد: {وما آتاكُمُ الرّسُولُ فخُذُوهُ وما نهاكُمْ عنْهُ فانْتهُوا} [الحشر:7]
ثم إن الإسلام يسأل: {أأنْتُمْ أعْلمُ أمِ اللّهُ} ويجيب: {واللّهُ يعْلمُ وأنْتُمْ لا تعْلمُون} .. {وما أُوتِيتُمْ مِن الْعِلْمِ إِلّا قلِيلًا} .. والذي يعلم - والذي يخلق ويرزق كذلك - هو الذي يحكم .. ودينه الذي هو منهجه للحياة، هو الأصل الذي ترجع إليه الحياة .. أما واقع البشر ونظرياتهم ومذاهبهم فهي تفسد وتنحرف، وتقوم على علم البشر الذين لا يعلمون، والذين لم يؤتوا من العلم إلا قليلًا!
ودين الله ليس غامضًا، ومنهجه للحياة ليس مائعًا .. فهو محدد بشطر الشهادة الثاني: محمد رسول الله، فهو محصور فيما بلّغه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،من النصوص في الأُصول .. فإن كان هناك نص فالنص هو الحكم، ولا اجتهاد مع النص. وإن لم يكن هناك نص فهنا يجيء دور الاجتهاد - وفق أصوله المقررة في منهج الله ذاته. لا وفق الأهواء والرغبات: {فإِنْ تنازعْتُمْ فِي شيْءٍ فرُدُّوهُ إِلى اللّهِ والرّسُولِ} .. [النساء:59]
والأصول المقررة للاجتهاد والاستنباط مقررة كذلك ومعروفة وليست غامضة ولا مائعة .. فليس لأحد أن يقول لشرع يشرعه: هذا شرع الله، إلا أن تكون الحاكمية العليا لله معلنة، وأن يكون مصدر السلطات هو الله سبحانه لا (الشعب) ولا (الحزب) ولا أي من البشر، وأن يرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله لمعرفة ما يريده الله ولا يكون هذا لكل من يريد أن يدعي سلطانًا باسم الله. كالذي