أُسْوةٌ حسنةٌ تتأسّوْن بِها، وتعْتبِرُون بِها فِي مسْلكِكُمْ وعِبادتِكُمْ، ولا تسْتثْنُوا مِنْ تصرُّفاتِ إِبْراهِيم التِي تقْتدُون بِها إِلاّ اسْتْغْفارهُ لأبِيهِ الذِي بقِي مُقِيمًا على الكُفْرِ، فقدْ قال إِبْراهِيمُ لأبِيهِ: إِنّهُ سيسْتغْفِرُ لهُ الله، وإِنّهُ لا يسْتطِيعُ أنْ ينْفعهُ بِأكْثر مِنْ ذلِك، فالأمْرُ مرْدُودٌ إِلى مشِيئةِ اللهِ، إِنْ شاء غفر وإِنْ شاء عذّب. ولكِنّ هذا القوْل صدر عنْ إِبْراهِيمِ حِينما وعدهُ أبُوهُ بِأنّهُ سيُؤْمِنُ بِاللهِ، ويتْبعُهُ فِيما يعْبُدُ. فلمّا تبيّن إِبْراهِيمُ أنّ عدُوٌ للهِ تبرّأ مِنْهُ. وحِينما فارق إِبْراهِيمُ والمُؤْمِنُونُ معهُ قوْمهُمْ لجؤُوا إِلى اللهِ مُتضرِّعِين قائِلِين: ربّنا إِنّنا اعْتمدْنا عليْك فِي جمِيعِ أُمُورِنا (توكّلْنا) ،ورجعْنا إِليك بِالتّوْبةِ مِنْ ذُنُوبِنا، وإِليك مصِيرُنا حِين تبْعثُنا مِنْ قُبُورِنا لِلْعرْضِ والحِسابِ. فاقْتدُوا بِهِمْ يا أيُّها المُؤْمِنُون، وقُولُوا مِثْل قوْلِهِمْ ..
رَبَّنَا وَلاَ تُسَلِّطْ قَوْمَنَا الكَافِرِينَ عَلَينَا، وَلاَ تَجْعَلْهُمْ يَظْهَرُونَ عَلَينَا، فَيَعْمَلُوا عَلَى فِتْنَتِنَا عَنْ دِينِنَا بِالعَذَابِ وَالنَّكَالِ. وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا ظَهَرُوا عَلَيْنَا لأَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ فِيمَا يَقُولُونَ، وَفِيمَا يَعْبُدُونَ، رَبَّنَا واسْتُرْ ذُنُوبَنَا عَنْ غَيرِكَ، وَاعْفُ عَنَّا فِيمَا بَيْنَنَا وَبَينَكَ، إِنَّكَ يَا رَبِّ أَنْتَ القَوِيُّ العَزِيزُ الذِي لاَ يُضَامُ، الحَكِيمُ فِيمَا تَشْرَعُ، وَفِيمَا تَقْضِي.
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَأُسْوَةٌ تَتَأَسَّوْنَ بِهَا، لِمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَطْمَعُ فِي الأَجْرِ والثَّوَابِ مِنَ اللهِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ العَذَابِ وَالنِّكَالِ. وَمَنْ يُعْرِضْ عَمَّا دَعَاهُ اللهُ إِليهِ مِنَ الإِيْمَانِ بِهِ وَبِمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبْهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخَرِ، وَيَسْتَكْبِرْ وَيُوَالِ أَعْدَاءَ اللهِ فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ بِذَلِكَ إِلاَّ نَفْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْهُ وَعَنْ إِيمَانِهِ وَعَنْ طَاعَتِهِ، مَحْمُودٌ بأنْعُمِهِ وَأَفْضَالِهِ عَلَى خَلْقِهِ. [1]
وينظر المسلم فإذا له نسب عريق، وماض طويل، وأسوة ممتدة على آماد الزمان. وإذا هو راجع إلى إبراهيم، لا في عقيدته فحسب، بل في تجاربه التي عاناها كذلك. فيشعر أن له رصيدا من التجارب أكبر من رصيده الشخصي وأكبر من رصيد جيله الذي يعيش فيه. إن هذه القافلة الممتدة في شعاب الزمان من المؤمنين بدين اللّه، الواقفين تحت راية اللّه، قد مرت بمثل ما يمر به، وقد انتهت في تجربتها إلى قرار اتخذته. فليس الأمر جديدا ولا مبتدعا ولا تكليفا يشق على المؤمنين .. ثم إن له لأمة طويلة عريضة يلتقي معها في العقيدة ويرجع إليها، إذا أنبتت الروابط بينه وبين أعداء عقيدته. فهو فرع من شجرة ضخمة باسقة عميقة الجذور كثيرة الفروع وارفة الظلال .. الشجرة التي غرسها أول المسلمين .. إبراهيم .. مر إبراهيم والذين معه بالتجربة التي يعانيها المسلمون المهاجرون. وفيهم أسوة حسنة: «إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَفَرْنا بِكُمْ، وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ» ..
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 5032، بترقيم الشاملة آليا)