إِنِّي لأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ، وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللهِ وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا. [1]
وجاء في «إمتاع الأسماع للمقريزي» أن هذا الحادث وقع لعمر بن الخطاب بحضور سلمان. رضي اللّه عنهما.
ولنا أن نتصور اليوم كيف يقع مثل هذا القول في القلوب، والخطر محدق بها محيط.
ولنا أن نضيف إلى تلك الصور الوضيئة صورة حذيفة عائدا من استطلاع خبر الأحزاب وقد أخذه القر الشديد ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي في ثوب لإحدى أزواجه. فإذا هو في صلاته واتصاله بربه، لا يترك حذيفة يرتعش حتى ينتهي من صلاته بل يأخذه - صلوات اللّه وسلامه عليه - بين رجليه، ويلقي عليه طرف الثوب ليدفئه في حنو. ويمضي في صلاته. حتى ينتهي، فينبئه حذيفة النبأ، ويلقي إليه بالبشرى التي عرفها قلبه - صلى الله عليه وسلم - فبعث حذيفة يبصر أخبارها! أما أخبار شجاعته - صلى الله عليه وسلم - في الهول، وثباته ويقينه، فهي بارزة في القصة كلها، ولا حاجة بنا إلى نقلها، فهي مستفيضة معروفة. وصدق اللّه العظيم: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» .. [2]
وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) } [الممتحنة] أفلا تأسّى هؤُلاءِ الذِين يُوادُّون الكافِرِين بِأبِيهِمْ إِبْراهِيم، وأصْحابِهِ المُؤْمِنين، حِين قالُوا لِقوْمِهِم الذِين كفرُوا بِاللهِ: إِنّا بُرآءُ مِنْكُمْ ومِمّا تعْبُدُون مِنْ دُونِ اللهِ مِن الآلِهةِ والأنْدادِ، وجحدْنا ما أنْتُمْ عليهِ مِن الكُفْرِ، وأنْكرْنا عِبادتكُمْ ما تعْبُدُون مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ حِجارةٍ وأوْثانٍ وأصْنامٍ، وقدْ أعْلنّا الحرْب عليْكُمْ، فلا هوادة بيْننا وبيْنكُمْ، وسنبْقى على ذلِك حتّى تُؤمِنُوا بِاللهِ وتُوحِّدُوهُ، وتعْبُدُوهُ وحْدهُ لا شرِيك لهُ، ولا صاحِبة ولا ولد، وتتخلّصُوا مِنْ عِبادةِ الأصْنامِ والأوْثانِ. ولكُمْ فِي أبْيكُمْ إِبْراهِيم وقوْمِهِ
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [6/ 361] (18694) 18898 ضعيف - زيادة مني
قال السندي: قوله: لا تأخذ فيها المعاول، أي: لا تعمل فيها ولا تؤثر، والمعاول جمع مِعْول، بكسر الميم، وهو الفأس.=فشَكَوْا، من الشكاية، والضمير للمؤمنين.
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3606)