الإيقاع الأخير .. الدعوة إلى الصبر .. الصبر على التكذيب. والصبر على الأذى. والصبر على نفخة الباطل وانتشائه بالغلبة والسلطان في فترة من الزمان. والصبر على طباع الناس وأخلاقهم وتصرفاتهم من هنا ومن هناك. والصبر على النفس وميولها وقلقها وتطلعها ورغبتها في النصر القريب وما يتعلق به من رغائب وآمال.
والصبر على أشياء كثيرة في الطريق قد تجيء من جانب الأصدقاء قبل أن تجيء من جانب الأعداء! «فَاصْبِرْ. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» .. مهما يطل الأمد، ومهما تتعقد الأمور، ومهما تتقلب الأسباب. إنه وعد من يملك التحقيق، ومن وعد لأنه أراد.
وفي الطريق، خذ زاد الطريق: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ» ..
هذا هو الزاد، في طريق الصبر الطويل الشاق. استغفار للذنب، وتسبيح بحمد الرب. والاستغفار المصحوب بالتسبيح وشيك أن يجاب، وهو في ذاته تربية للنفس وإعداد. وتطهير للقلب وزكاة. وهذه هي صورة النصر التي تتم في القلب، فتعقبها الصورة الأخرى في واقع الحياة.
واختيار العشي والإبكار. إما كناية عن الوقت كله - فهذان طرفاه - وإما لأنهما آنان يصفو فيهما القلب، ويتسع المجال للتدبر والسياحة مع ذكر اللّه.
هذا هو المنهج الذي اختاره اللّه لتوفير عدة الطريق إلى النصر وتهيئة الزاد. ولا بد لكل معركة من عدة ومن زاد .. [1]
وقال تعالى: {فاصْبِرْ إِنّ وعْد اللّهِ حقٌّ فإِمّا نُرِينّك بعْض الّذِي نعِدُهُمْ أوْ نتوفّينّك فإِليْنا يُرْجعُون (77) } [غافر/77]
يأْمُرُ اللهُ تعالى رسُولهُ - صلى الله عليه وسلم - بِالصّبْرِ على تكْذِيبِ منْ كذّب مِنْ قوْمِهِ، فإِنّ الله سيُنْجِزُ وعْدهُ، وسيُظْهِرُهُ بِأعْدائِهِ، وسيُنْزِلُ العِقاب بِالمُكذِّبِين فِي الدُّنْيا والآخِرةِ. ثُمّ يقُولُ لهُ: إِمّ أنْ يُرِيهُ فِي حياتِهِ بعْض الذِي يعِدُهُمْ مِن العذاب والنّقْمةِ، كالقتْلِ والأسْرِ فِي بدْرٍ، فذلِك ما يسْتحِقُّونهُ، وإِمّا أنْ يتوفّاهُ اللهُ قبْل أنْ يُنْزِل بِهِم عُقُوبتهُ وعذابهُ فإِنّهُ سيُعاقِبُهُمْ فِي الآخِرةِ عِقابًا شدِيدًا حِينما يُرْجعُون إِليهِ يوْم القِيامةِ [2] .
وهنا نقف أمام لفتة تستحق التدبر العميق. إن هذا الرسول الذي يلاقي ما يلاقي من الأذى والتكذيب والكبر والكنود، يقال له ما مفهومه: أد واجبك وقف عنده. فأما النتائج فليست من أمرك. حتى شفاء صدره بأن يشهد تحقق بعض وعيد اللّه للمتكبرين المكذبين ليس له أن يعلق به قلبه! إنه يعمل وكفى. يؤدي واجبه ويمضي.
فالأمر ليس أمره. والقضية ليست قضيته. إن الأمر كله للّه. واللّه يفعل به ما يريد.
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3883)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4089، بترقيم الشاملة آليا)