فهذا مصداق قول اللّه سبحانه: «وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا» .
والصياصي: الحصون والأرض التي ورثها المسلمون ولم يطؤوها، ربما كانت أرضا مملوكة لبني قريظة خارج محلتهم. وقد آلت للمسلمين فيما آل إليهم من أموالهم. وربما كانت إشارة إلى تسليم بني قريظة أرضهم بغير قتال. ويكون الوطء معناه الحرب التي توطأ فيها الأرض.
«وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا» .. فهذا هو التعقيب المنتزع من الواقع وهو التعقيب الذي يرد الأمر كله إلى اللّه. وقد مضى السياق في عرض المعركة كلها يرد الأمر كله إلى اللّه. ويسند الأفعال فيها إلى اللّه مباشرة. تثبيتا لهذه الحقيقة الكبيرة، التي يثبتها اللّه في قلوب المسلمين بالأحداث الواقعة، وبالقرآن بعد الأحداث، ليقوم عليها التصور الإسلامي في النفوس. [1]
وقال تعالى: {ولقدْ آتيْنا مُوسى الْهُدى وأوْرثْنا بنِي إِسْرائِيل الْكِتاب (53) هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الْألْبابِ (54) فاصْبِرْ إِنّ وعْد اللّهِ حقٌّ واسْتغْفِرْ لِذنْبِك وسبِّحْ بِحمْدِ ربِّك بِالْعشِيِّ والْإِبْكارِ (55) } [غافر/53 - 55]
ولقدْ أعْطينا مُوسى الشّرائِع والمُعْجِزاتِ التِي يهْتدِي بِها النّاسُ، وأنْزلْنا عليهِ التّوْراة، وفِيها ما يهْدِي بِهِ قوْمهُ بنِي إِسْرائِيل، فتوارثُوهُ خلفًا مِنْ سلفٍ.
وجعلْنا التّوْراة هُدًى يهْتدِي بنُو إِسْرائِيل بِأحْكامِها، وتذْكِرةً لأوْلِي العُقُولِ السّلِيمةِ والأفْهامِ المُسْتقِيمةِ (لأُوُلي الألْبابِ) .
فاصْبِرْ يا مُحمّدُ لأمْرِ ربِّك، وبلِّغْ ما أُنْزِل إِليْك مِنْ ربِّك، وأيْقِنْ بِأنّ الله مُنْجِزٌ وعْدهُ لك، وناصِرُك ومُؤيِّدُك على مِنْ عاداك وعاندك، وكفر بِرِسالتِك، وسلْ ربّك المغْفِرةِ لِذنْبِك، والصّفْح عنْك، وصلِّ فِي طرفِيْ النِّهارِ، واذْكُرْ ربّك كثِيرًا فِي الصِّباحِ والمساءِ [2] .
كان هذا نموذجا من نماذج نصر اللّه. إيتاء الكتاب والهدى. ووراثة الكتاب والهدى. وهذا النموذج الذي ضربه اللّه مثلا في قصة موسى، يكشف لنا رقعة فسيحة، نرى فيها صورة خاصة من صور النصر تشير إلى الاتجاه.
وهنا يجيء الإيقاع الأخير في هذا المقطع، توجيها لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ومن كانوا معه من المؤمنين في مكة في موقف الشدة والمعاناة. ولكل من يأتي بعدهم من أمته، ويواجهون مثل الموقف الذي كانوا فيه: «فَاصْبِرْ. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ» ..
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3608)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4065، بترقيم الشاملة آليا)