الْجِهَاد فَاتَهُ من الْهدى بِحَسب مَا عطل من الْجِهَاد قَالَ الْجُنَيْد وَالَّذين جاهدوا أهواءهم فِينَا بِالتَّوْبَةِ لنهدينهم سبل الْإِخْلَاص وَلَا يتَمَكَّن من جِهَاد عدوه فِي الظَّاهِر إِلَّا من جَاهد هَذِه الْأَعْدَاء بَاطِنا فَمن نصر عَلَيْهَا نصر على عدوه وَمن نصرت عَلَيْهِ نصر عَلَيْهِ عدوه [1] :
إلى أن قال: وَلِأَهْلِ الْجِهَادِ فِي هَذَا مِنَ الْهِدَايَةِ وَالْكَشْفِ مَا لَيْسَ لِأَهْلِ الْمُجَاهَدَةِ، وَلِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ: إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ فَانْظُرُوا مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الثَّغْرِ، يَعْنِي أَهْلَ الْجِهَادِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69] . [2] .
فعلى القائلين بعدم وجوب الجهاد أن يتقوا الله في أنفسهم وأن لا يقولوا على الله إلا الحق فإن القول بعدمه ليس له أصل، وسأذكر بعض الأدلة الواردة في الوعيد الشديد على من لا يرى الجهاد تذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، قال تعالى: {قُلْ إِن كان آباؤُكُمْ وأبْنآؤُكُمْ وإِخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعشِيرتُكُمْ وأمْوالٌ اقْترفْتُمُوها وتِجارةٌ تخْشوْن كسادها ومساكِنُ ترْضوْنها أحبّ إِليْكُم مِّن اللّهِ ورسُولِهِ وجِهادٍ فِي سبِيلِهِ فتربّصُواْ حتّى يأْتِي اللّهُ بِأمْرِهِ واللّهُ لا يهْدِي الْقوْم الْفاسِقِين} (24) سورة التوبة
وقال تعالى: (يا أيُّها الّذِين آمنُوا ما لكُمْ إِذا قِيل لكُمُ انْفِرُوا فِي سبِيلِ اللّهِ اثّاقلْتُمْ إِلى الْأرْضِ أرضِيتُمْ بِالْحياةِ الدُّنْيا مِن الْآخِرةِ فما متاعُ الْحياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرةِ إِلّا قلِيلٌ * إِلاّ تنْفِرُوا يُعذِّبْكُمْ عذابًا ألِيمًا ويسْتبْدِلْ قوْمًا غيْركُمْ ولا تضُرُّوهُ شيْئًا واللّهُ على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ) (التوبة:38 - 39) .
وروى النسائي عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ الْكِنْدِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَذَالَ النَّاسُ الْخَيْلَ وَوَضَعُوا السِّلَاحَ وَقَالُوا: لَا جِهَادَ قَدْ وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «كَذَبُوا الْآنَ جَاءَ الْقِتَالُ، وَلَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أَمَةٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، وَيُزِيغُ اللهُ لَهُمْ قُلُوبَ أَقْوَامٍ، وَيَرْزُقُهُمْ مِنْهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ، وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ يُوحِي إِلَيَّ أَنِّي مَقْبُوضٌ غَيْرُ مُلَبَّثٍ، وَأَنْتُمْ مُتَّبِعُونِي أَفْنَادًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَعُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ» [3] .
(1) - الفوائد لابن القيم (ص: 59)
(2) - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 506)
(3) - السنن الكبرى للنسائي (4/ 311) (4386) صحيح
أذال: الإذالة: الإهانة والابتذال.=أوزراها: الأوزار: الأثقال، ومعنى «حتى تضع الحرب أوزارها» أي: ينقضي أمرها، وتخف أثقالها، ولا يبقى قتال.=يزيغ: زاغ الشيء يزيغ: إذا مال.=نواصي: جمع ناصية، وهو شعر مقدم الرأس.=عقر الدار: أصلها بالفتح، وهو محلة القوم، وأهل المدينة يقولون: عقر الدار، بالضم. جامع الأصول في أحاديث الرسول ط مكتبة الحلواني الأولى (2/ 570)