قُلْتُمْ يا مُوسى لن نّصْبِر على طعامٍ واحِدٍ فادْعُ لنا ربّك يُخْرِجْ لنا مِمّا تُنبِتُ الأرْضُ مِن بقْلِها وقِثّآئِها وفُومِها وعدسِها وبصلِها قال أتسْتبْدِلُون الّذِي هُو أدْنى بِالّذِي هُو خيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْرًا فإِنّ لكُم مّا سألْتُمْ وضُرِبتْ عليْهِمُ الذِّلّةُ والْمسْكنةُ وبآؤُوْاْ بِغضبٍ مِّن اللّهِ ذلِك بِأنّهُمْ كانُواْ يكْفُرُون بِآياتِ اللّهِ ويقْتُلُون النّبِيِّين بِغيْرِ الْحقِّ ذلِك بِما عصواْ وّكانُواْ يعْتدُون (61) سورة البقرة، وكذلك فقد بين الله سبحانه وتعالى أن الذين يخرجون رسله من قراهم لا يلبثون إلا قليلًا حتى يحل بهم العذاب، فقال سبحانه وتعالى: {وإِن كادُواْ ليسْتفِزُّونك مِن الأرْضِ لِيُخْرِجوك مِنْها وإِذًا لاّ يلْبثُون خِلافك إِلاّ قلِيلًا (76) سُنّة منْ قدْ أرْسلْنا قبْلك مِنْ رُسُلِنا ولا تجِدُ لِسُنّتِنا تحْوِيلًا (77) } سورة الإسراء.
فإذا كانت هذه سنته سبحانه فيمن أخرج رسله من إحلال العذاب بهم بعد مدة يسيرة من إخراج الرسول، فما الحال إذن فيمن قتلوا رسولهم إلا أشد وأنكى والله عزيز ذو انتقام.
الثالثة: قتل النبي ليس قتلًا لدعوته وإنما لشخصه فقط:
وأحيانًا بل غالبًا ما يكون قتل الداعي إلى أمر ما عاملًا في إلهاب الحماس في نفوس أنصاره والثبات على نهجه وسببًا في انتشار دعوته. وإليك الآيات وهي تبين ذلك، ونحن نوردها على قراءة البناء للمفعول في (قتل) .
قال تعالى: {وكأيِّنْ مِنْ نبِيٍّ قاتل معهُ رِبِّيُّون كثِيرٌ فما وهنُوا لِما أصابهُمْ فِي سبِيلِ اللّهِ وما ضعُفُوا وما اسْتكانُوا واللّهُ يُحِبُّ الصّابِرِين (146) وما كان قوْلهُمْ إِلّا أنْ قالُوا ربّنا اغْفِرْ لنا ذُنُوبنا وإِسْرافنا فِي أمْرِنا وثبِّتْ أقْدامنا وانْصُرْنا على الْقوْمِ الْكافِرِين (147) فآتاهُمُ اللّهُ ثواب الدُّنْيا وحُسْن ثوابِ الْآخِرةِ واللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين (148) } [آل عمران/146 - 148] .
والله سبحانه وتعالى إنما بعث الرسل للدعوة إلى عبادته وإعلاء كلمته وإظهار دينه، لا للدعوة إلى أنفسهم وإبراز شخصياتهم وإظهارها، وهو سبحانه وتعالى حين وعدهم النصر والغلبة، لم يعدهم كذلك لأجل أشخاصهم، وإنما وعدهم لأجل ما يحملونه من دعوة حق، ومنهاج شريعة من عنده، فبقاء دعوة الحق وانتشارها، ووجود من يحملها نصر لها وللداعي إليها، وإن كان قد مات أو قتل ذلك الداعي. وهذا نبي الله عيسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام-،قد أزمع اليهود قتله وباؤوا بإثم قتله وإن كانوا لم يقتلوه ـ وذلك لتمام تصميمهم على هذا الإثم ـ رفعه الله إليه وتوفاه وجعل الذين اتبعوه فوق من كفر بدعوته وتربص به ظاهرين عليهم إلى يوم القيامة، فلم يتخلف شيء مما وعد الله به الرسل من ظهور الدين وتمام النصر والانتصار لهم، لم يتخلف شيء من ذلك في دعوة عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. قال تعالى: {إِذْ قال اللّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتوفِّيك ورافِعُك إِليّ ومُطهِّرُك مِن الّذِين كفرُواْ وجاعِلُ الّذِين اتّبعُوك فوْق الّذِين كفرُواْ إِلى يوْمِ الْقِيامةِ ثُمّ إِليّ مرْجِعُكُمْ فأحْكُمُ بيْنكُمْ فِيما كُنتُمْ فِيهِ تخْتلِفُون} (55) سورة آل عمران.
ــــــــــــ