فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 849

جهاد، وأن نائب الفاعل في قوله تعالى: {وكأيِّن مِّن نّبِيٍّ قاتل معهُ رِبِّيُّون كثِيرٌ} [آل عمران:146] ،على قراءة قتل بالبناء للمفعول، هو ربيون لا ضمير النبي.

وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح بالآيات القرآنية في سورة آل عمران في الكلام على قوله: {وكأيِّن مِّن نّبِيٍّ قاتل معهُ رِبِّيُّون كثِيرٌ} [آل عمران:146] وذكرنا بعضه في الصافات في الكلام على قوله تعالى: {ولقدْ سبقتْ كلِمتُنا لِعِبادِنا المرسلين} [الصافات:171] ". [1] "

والحقيقة أن هذا الاستنباط الذي استنبطه العلامة الشنقيطي من دلالات الآيات والتوفيق بينها للخروج بهذه القطعية لينبئ عن براعة الرجل في تفسير القرآن بالقرآن، وكذلك يخرج ببرهان واضح في هذه المسألة، ويوافق ما قاله الحسن وسعيد بن جبير من أنه"ما قتل نبي في حرب قط".

أما القراءة التي في قوله تعالى: {وكأيِّن مِّن نّبِيٍّ قاتل معهُ رِبِّيُّون كثِيرٌ فما وهنُواْ لِما أصابهُمْ فِي سبِيلِ اللّهِ وما ضعُفُواْ وما اسْتكانُواْ واللّهُ يُحِبُّ الصّابِرِين} (146) سورة آل عمران بدلًا من قراءة (( قاتل ) )فهي قراءة سبعية، قرأ بها نافع وابن كثير وأبو عمرو، ومن العشرة يعقوب وهي قراءة ابن عباس، واختارها أبو حاتم، إلا أن الآية لا تنص على أن النبي المقتول كان في قتال أو أمر به، وعليه فلا تخالف ما سبق تقريره في ذلك.

الثانية: الانتصارُ من قتلة الأنبياء:

إن دماء الأنبياء الذين يقتلون لا تذهب هدرًا فوليها بالثأر هو الله سبحانه وتعالى، هم ومن كان قائمًا في الناس يأمرهم بالقسط من المؤمنين، قال سبحانه وتعالى: {إنّا لننصُرُ رُسُلنا والّذِين آمنُوا فِي الْحياةِ الدُّنْيا ويوْم يقُومُ الْأشْهادُ} (51) سورة غافر.

والرسل الذين قتلوا يكون نصرهم في الدنيا بالانتصار ممن قتلهم والانتقام منه، وقال السُّدِّيّ:"لمْ يبْعث اللّه عزّ وجلّ رسُولًا قطُّ إِلى قوْم فيقْتُلُونهُ أوْ قوْمًا مِنْ الْمُؤْمِنِين يدْعُون إِلى الْحقّ فيُقْتلُون فيذْهب ذلِك الْقرْن حتّى يبْعث اللّه تبارك وتعالى لهُمْ منْ ينْصُرهُمْ فيطْلُب بِدِمائِهِمْ مِمّنْ فعل ذلِك بِهِمْ فِي الدُّنْيا قال فكانتْ الْأنْبِياء والْمُؤْمِنُون يُقْتلُون فِي الدُّنْيا وهُمْ منْصُورُون فِيها وهكذا نصر اللّهُ نبِيّهُ مُحمّدًا - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابه على منْ خالفهُ وناوأهُ وكذّبهُ وعاداهُ فجعل كلِمته هِي الْعُلْيا ودِينه هُو الظّاهِر على سائِر الْأدْيان" [2]

ولقد ذكر الإمام ابن جرير في تفسيره عند هذه الآية قتل الأنبياء ونصرهم المذكور في الآية وأجاب عليه بجوابين، أحدهما: قول السدي هذا، وقول السدي هذا من الانتصار لهم في الدنيا هو الجواب الأولى الذي عليه شواهد من القرآن والسنة، فقد قرن الله سبحانه وتعالى في موضعين من كتابه بين ضرب الذلة والمسكنة وبين قتل الأنبياء، وجعل ضرب الذلة والمسكنة عقابا لقتلة الأنبياء. قال تعالى: وإِذْ

(1) - أضواء البيان - (ج 8 / ص 165)

(2) - تفسير ابن كثير - (ج 14 / ص 357)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت