فهرس الكتاب

الصفحة 679 من 738

وبيّن رسول الله r إذا حقن 160 الله تعالى دماء من أظهر الإيمان بعد الكفر، أن لهم حكم المسلمين من الموارثة والمناكحة وغير ذلك من أحكام المسلمين، فكان بينًا في حكم الله عز وجل في المنافقين ثم حكم رسوله r، أن ليس لأحد أن يحكم على أحد بخلاف ما أظهر من نفسه، وأن الله عز وجل إنما جعل للعباد الحكم على ما أظهر، لأن أحدًا منهم لا يعلم ما غاب إلا ما علمه الله عز وجل، فوجب على من عقل عن الله أن يجعل الظنون كلها في الأحكام معطلة، فلا يحكم على أحد بظن، وهكذا دلالة سنن رسول الله r حيث كانت لا تختلف".161"

وقال شيخ الإسلام:"وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيرًا من الفقهاء يظن أن من قيل: هو كافر. فإنه يجب أن تجرى عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث، ولا يورث ولا يناكح، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع."

وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكون في نفاقه، كابن أُبي وأمثاله، ومع هذا فلما مات هؤلاء ورِثهم ورَثَتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تُعصم دماؤهم حتى تقوم السُّنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته".162"

ويقول أيضًا:"وبالجملة فأصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر نوعان: كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تُكلم في أحكام الآخرة كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين".163

ويقول:"وهكذا كان حكمه r في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم، لا يستحل منها شيئًا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم".164

ويقول الشاطبي:"إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عمومًا، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي، يُجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه". 165

ثم أجاب الشاطبي عن قول بعضهم بأن ترك النبي r إقامة الحد على المنافقين كان بسبب خشيته من قول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه. فقال:"فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عُدم ما علل به فلا حرج. لأنا نقول: هذا من أدل الدليل على ما تقرر، لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر، فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر، بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر، وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن"البينة على المدعي، واليمين على من أنكر".166"

وهذه القاعدة في تطبيق أحكام الشريعة عامة في كل أحد، حتى عمّت نبينا r، نعم"لم يُستثن من ذلك أحد، حتى إن رسول الله r احتاج في ذلك إلى البينة، فقال: من يشهد لي؟ حتى شهد له خزيمة بن ثابت، فجعلها الله شهادتين، فما ظنك بآحاد الأمة، فلو ادعى أكبر167 الناس على أصلح الناس، لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، وهذا من ذلك، والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية".168

لذا فإن قوله r: (( من بدل دينه فاقتلوه ) ).169 كما يقول الحافظ ابن حجر:"هو عام، يُخَص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر، فإنه تجرى عليه أحكام الظاهر... وإظهار الإيمان يحصن من القتل، وكلهم أجمعوا على أحكام الدنيا على الظاهر، والله يتولى السرائر".170

وشاهد آخر على إجراء الأحكام في الدنيا على الظاهر في حديث أسامة لما خرج في سرية، فأدرك رجلًا فقال: لا إله إلا الله، يقول أسامة: فطعنتُه، فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي r فقال r: (( أقال: لا إله إلا الله وقتلتَه؟! قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ ) )فما زال يكررها علي، حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.171

قال النووي:"وقوله r: (( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ ) )الفاعل في قوله: (( أقالها ) )هو القلب، ومعناه: أنك إنما كُلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه، فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال: (( أفلا شققت عن قلبه ) )لتنظر، هل قالها القلب واعتقدها وكانت فيه، أم لم تكن فيه؟ بل جرت على اللسان فحسب، يعني: وأنت لست بقادر على هذا، فاقتصر على اللسان فحسب، يعني: ولا تطلب غيره".172

وقال:"وفيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول: أن الأحكام فيها بالظاهر، والله يتولى السرائر".173

وعليه فإن أهل السنة والجماعة يقبلون دعوى الناس الإسلام عملًا بالظاهر، ويدعون الحكم على السرائر إلى عالم السر وأخفى، فلا يقال بتكفير مسلم بزعم فساد سريرته وخبث طويته، بل يقبل منه ما ادعى، ونوله ما تولى، والله يتولى حسابه في الآخرة.

لازم القول ليس بقول

من أبواب غواية الشيطان في باب التكفير، تكفير الناس بما تؤول إليه أقوالهم وما تستلزمه من أقوال مستقبحة يكفر قائلها ومعتقدها.

وهذا باب لو فتح يكفر به كل أحد قال قولًا خاطئًا، فمثلًا لو ابتدع الإنسان بدعة، وزعم أن فيها خيرًا، فإنه يلزم من قوله أن النبي e خان الأمانة لعدم تبليغه بهذا الخير الذي ابتدعه المبتدع، وهذا القول ولا ريب من الكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت