وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ , وَأَبُو حَنِيفَةَ , وَالشَّافِعِيُّ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: هُوَ كَافِرٌ فِي الظَّاهِرِ , تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ , وَلَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ إنْ مَاتَ , وَلَا يُغَسَّلُ , وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ , وَهُوَ مُسْلِمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ , فَأَشْبَهَ الْمُخْتَارَ . وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ . } وَرُوِيَ { أَنَّ عَمَّارًا أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ , فَضَرَبُوهُ حَتَّى تَكَلَّمَ بِمَا طَلَبُوا مِنْهُ , ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم , وَهُوَ يَبْكِي , فَأَخْبَرَهُ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إنْ عَادُوا فَعُدْ } . وَرُوِيَ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يُعَذِّبُونَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا أَجَابَهُمْ , إلَّا بِلَالٌ , فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَحَدٌ . أَحَدٌ . وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم {: عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ , وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ . } وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ , فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ , كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ , وَفَارَقَ مَا إذَا أُكْرِهَ بِحَقٍّ , فَإِنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ يَلْزَمُهُ أَحَدُهُمَا , فَأَيَّهُمَا اخْتَارَهُ ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ . فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ , فَمَتَى زَالَ عَنْهُ الْإِكْرَاهُ , أُمِرَ بِإِظْهَارِ إسْلَامِهِ , فَإِنْ أَظْهَرَهُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إسْلَامِهِ , وَإِنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ حُكِمَ أَنَّهُ كَفَرَ مِنْ حِينِ نَطَقَ بِهِ ; لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ بِالْكُفْرِ مِنْ حِينِ نَطَقَ بِهِ , مُخْتَارًا لَهُ . وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ , وَكَانَ مَحْبُوسًا عِنْدَ الْكُفَّارِ , وَمُقَيَّدًا عِنْدَهُمْ فِي حَالَةِ خَوْفٍ , لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْإِكْرَاهِ . وَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ كَانَ آمِنًا حَالَ نُطْقِهِ بِهِ , حُكِمَ بِرِدَّتِهِ . فَإِنْ ادَّعَى وَرَثَتُهُ رُجُوعَهُ إلَى الْإِسْلَامِ , لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ . وَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ , لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَأْكُلُهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ , كَمَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهَا . وَإِنْ قَالَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ: أَكَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ . أَوْ أَقَرَّ بِرِدَّتِهِ , حُرِمَ مِيرَاثَهُ ; لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ , وَيُدْفَعُ إلَى مُدَّعِي إسْلَامِهِ قَدْرُ مِيرَاثِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْهُ , وَيُدْفَعُ الْبَاقِي إلَى بَيْتِ الْمَالِ ; لِعَدَمِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ , فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ , دُفِعَ إلَيْهِ نَصِيبُهُ , وَنَصِيبُ الْمُقِرِّ بِرِدَّةِ الْمَوْرُوثِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ رِدَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ .