قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لَهَا , وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كُفْرِ مَنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا , إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُ مِثْلُهُ ذَلِكَ , فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الْوُجُوبَ , كَحَدِيثِ الْإِسْلَامِ , وَالنَّاشِئِ بِغَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ , لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ , وَعُرِّفَ ذَلِكَ , وَتُثْبَتُ لَهُ أَدِلَّةُ وُجُوبِهَا , فَإِنْ جَحَدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَفَرَ . وَأَمَّا إذَا كَانَ الْجَاحِدُ لَهَا نَاشِئًا فِي الْأَمْصَارِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ , فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ بِمُجَرَّدِ جَحْدِهَا , وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَبَانِي الْإِسْلَامِ كُلِّهَا , وَهِيَ الزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ ; لِأَنَّهَا مَبَانِي الْإِسْلَامِ , وَأَدِلَّةُ وُجُوبِهَا لَا تَكَادُ تَخْفَى , إذْ كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَشْحُونَيْنِ بِأَدِلَّتِهَا , وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهَا , فَلَا يَجْحَدُهَا إلَّا مُعَانِدٌ لِلْإِسْلَامِ , يَمْتَنِعُ مِنْ الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ , غَيْرُ قَابِلٍ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا إجْمَاعِ أُمَّتِهِ .
لِمَا ذَكَرْنَا فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ . وَإِنْ اسْتَحَلَّ قَتْلَ الْمَعْصُومِينَ , وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ , بِغَيْرِ شُبْهَةٍ وَلَا تَأْوِيلٍ , فَكَذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ , كَالْخَوَارِجِ , فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ لَمْ يَحْكُمُوا بِكُفْرِهِمْ مَعَ اسْتِحْلَالِهِمْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ , وَفِعْلِهِمْ لِذَلِكَ مُتَقَرِّبِينَ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى , وَكَذَلِكَ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِ ابْنِ مُلْجَمٍ مَعَ قَتْلِهِ أَفْضَلَ الْخَلْقِ فِي زَمَنِهِ , مُتَقَرِّبًا بِذَلِكَ , وَلَا يُكَفَّرُ الْمَادِحُ لَهُ عَلَى هَذَا , الْمُتَمَنِّي مِثْلَ فِعْلِهِ , فَإِنَّ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانَ قَالَ فِيهِ يَمْدَحُهُ لِقَتْلِ عَلِيٍّ: يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إلَّا لِيَبْلُغَ عِنْدَ اللَّهِ رِضْوَانَا إنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ أَوْفَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا وَقَدْ عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَمَنْ بَعْدَهُمْ , وَاسْتِحْلَالُ دِمَائِهِمْ , وَأَمْوَالِهِمْ , وَاعْتِقَادُهُمْ التَّقَرُّبَ بِقَتْلِهِمْ إلَى رَبِّهِمْ , وَمَعَ هَذَا لَمْ يَحْكُمْ الْفُقَهَاءُ بِكُفْرِهِمْ ; لِتَأْوِيلِهِمْ . وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلٍ مِثْلِ هَذَا . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ الْخَمْرَ مُسْتَحِلًّا لَهَا , فَأَقَامَ عُمَرُ عَلَيْهِ الْحَدَّ , وَلَمْ يُكَفِّرْهُ . وَكَذَلِكَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ , وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ , شَرِبُوا الْخَمْرَ بِالشَّامِ مُسْتَحِلِّينَ لَهَا , مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَة . فَلَمْ يُكَفَّرُوا , وَعُرِّفُوا تَحْرِيمَهَا , فَتَابُوا , وَأُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ . فَيُخَرَّجُ فِيمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ مِثْلُ حُكْمِهِمْ . وَكَذَلِكَ كُلُّ جَاهِلٍ بِشَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَجْهَلَهُ , لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى يُعَرَّفَ ذَلِكَ , وَتَزُولَ عَنْهُ الشُّبْهَةُ , وَيَسْتَحِلَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ قَالَ: الْخَمْرُ حَلَالٌ . فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ , فَإِنْ تَابَ , وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ . وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ تَحْرِيمُهُ ; لِمَا ذَكَرْنَا . فَأَمَّا إنْ أَكَلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ , أَوْ مَيْتَةً , أَوْ شَرِبَ خَمْرًا , لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ , سَوَاءٌ فَعَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ , كَمَا يَفْعَلُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ .
( 7099 ) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَذَبِيحَةُ الْمُرْتَدِّ حَرَامٌ , وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ0