فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 738

أَعْلَمُ .

( فَصْلٌ )( إذَا وَرَدَ )عَنْ الشَّارِعِ لَفْظٌ( عَامٌّ وَ )لَفْظٌ( خَاصٌّ , قُدِّمَ الْخَاصُّ مُطْلَقًا )(1)

أَيْ سَوَاءٌ كَانَا مُقْتَرِنَيْنِ , مِثْلَ: مَا لَوْ قَالَ فِي كَلَامٍ مُتَوَاصِلٍ: اُقْتُلُوا الْكُفَّارَ وَلَا تَقْتُلُوا الْيَهُودَ , أَوْ يَقُولُ: زَكُّوا الْبَقَرَ , وَلَا تُزَكُّوا الْعَوَامِلَ , أَوْ كَانَا غَيْرَ مُقْتَرِنَيْنِ , سَوَاءٌ كَانَ الْخَاصُّ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَمَلًا بِكِلَيْهِمَا , بِخِلَافِ الْعَكْسِ . فَكَانَ أَوْلَى . وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي صُورَةِ الِاقْتِرَانِ تَعَارُضُ الْخَاصِّ لِمَا قَابَلَهُ مِنْ الْعَامِّ , وَلَا يُخَصَّصُ بِهِ . وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رضي الله عنه رِوَايَةٌ فِي غَيْرِ الْمُقْتَرِنَيْنِ مُوَافَقَةٌ لِقَوْلِ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ إنْ تَأَخَّرَ الْعَامُّ نُسِخَ , وَإِنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ نُسِخَ مِنْ الْعَامِّ بِقَدْرِهِ . فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: إنْ جُهِلَ التَّارِيخُ وُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يُعْلَمَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ . سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } خَصَّ قوله تعالى ( { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ } ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: عَلَى هَذَا عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ , وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ . مِنْهُمْ: عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَحُذَيْفَةُ وَجَابِرٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ . وَأَيْضًا: الْخَاصُّ قَاطِعٌ أَوْ أَشَدُّ تَصْرِيحًا , وَأَقَلُّ احْتِمَالًا , وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ لُغَةً بَيْنَ تَقْدِيمِ الْخَاصِّ وَتَأْخِيرِهِ ( وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ) أَيْ مِنْ اللَّفْظَيْنِ الْوَارِدَيْنِ ( عَامًّا مِنْ وَجْهٍ . خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ ) آخَرَ , مِثَالُهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } مَعَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: { لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ } فَالْأَوَّلُ: خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الْفَائِتَةِ , عَامٌّ فِي الْوَقْتِ , وَالثَّانِي: عَامٌّ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَالنَّافِلَةِ , خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ , وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { مَنْ بَدَّلَ دَيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ } مَعَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم { نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ } فَالْأَوَّلُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ , خَاصٌّ فِي الْمُرْتَدِّينَ . وَالثَّانِي: خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ , عَامٌّ فِي الْحَرْبِيَّاتِ وَالْمُرْتَدَّاتِ , إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا إذَا وَرَدَا ( تَعَارَضَا ) لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ أَحَدِهِمَا بِالْعَمَلِ بِهِ دُونَ الْآخَرِ ( وَطُلِبَ الْمُرَجِّحُ ) مِنْ خَارِجٍ , وَقَدْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ { مَنْ بَدَّلَ دَيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ } عَلَى اخْتِصَاصِ الثَّانِي , وَهُوَ قَوْلُهُ { نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ } بِسَبَبِهِ النَّاشِئِ عَنْ قَتْلِ الْحَرْبِيَّاتِ . وَقِيلَ: الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا نَاسِخٌ . وَحُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ ( وَإِذَا وَافَقَ خَاصٌّ عَامًّا ) بِأَنْ . يَرِدْ لَفْظٌ عَامٌّ , وَيَأْتِي لَفْظٌ خَاصٌّ , هُوَ بَعْضٌ لِذَلِكَ الْعَامِّ وَدَاخِلٌ فِيهِ , نَحْوُ { قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ دِبَاغُهَا طُهُورُهَا } فَهَذَا خَاصٌّ وَهُوَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْعَامِّ ( لَمْ يُخَصِّصْهُ ) أَيْ لَمْ يُخَصِّصْ الْخَاصُّ الْعَامَّ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ . وَقِيلَ: بَلَى , اسْتَدَلَّ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فَيُعْمَلَ بِهِمَا . وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَيْضًا: قوله تعالى { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى } فَذِكْرُهُ بَعْدَهُ لَيْسَ تَخْصِيصًا لِلْأَوَّلِ بِإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى , بَلْ اهْتِمَامًا بِهَذَا النَّوْعِ , فَإِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ إذَا اهْتَمَّتْ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْعَامِّ خَصَّصَتْهُ بِالذِّكْرِ , إبْعَادًا لَهُ عَنْ الْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصِ بِذَلِكَ النَّوْعِ , وَكَذَا قوله تعالى { وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ قوله تعالى { فِيهَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } لِأَنَّ فَاكِهَةً مُطْلَقٌ ( وَلَا تَخُصُّ عَادَةٌ عُمُومًا , وَلَا تُقَيِّدُ ) الْعَادَةُ ( مُطْلَقًا ) نَحْوُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الرِّبَا فِي الطَّعَامِ وَعَادَتُهُمْ الْبُرُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ , خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ . وَلِهَذَا لَا نَقْضَ بِنَادِرٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ . قَصْرًا لِلْغَائِطِ عَلَى الْمُعْتَادِ . وَذَكَرَهُ الْقَاضِيَ فِي مَوَاضِعَ: وَجْهُ الْأَوَّلِ الْعُمُومُ لُغَةً وَعُرْفًا , وَالْأَصْلُ عَدَمُ مُخَصَّصٍ , وَفِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ الصَّوَابَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْعَادَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْفِعْلِ , وَالرَّاجِعَةِ إلَى الْقَوْلِ , فَيُخَصَّصُ بِالثَّانِيَةِ الْعُمُومُ لِسَبْقِ الذِّهْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَيْهِ دُونَ الْأُولَى ,

(1) -شرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 195)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت