فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 738

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرِّقَّ لَا يَجْرِي عَلَى الْمُرْتَدِّ , سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً , وَسَوَاءٌ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَقَامَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ . وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا لَحِقَتْ الْمُرْتَدَّةُ بِدَارِ الْحَرْبِ , جَازَ اسْتِرْقَاقُهَا ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ سَبَى بَنِي حَنِيفَةَ , وَاسْتَرَقَّ نِسَاءَهُمْ , وَأُمُّ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ سَبْيِهِمْ . وَلَنَا , قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } , وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى كُفْرِهِ , فَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ كَالرَّجُلِ , وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الَّذِينَ سَبَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ كَانُوا أَسْلَمُوا , وَلَا ثَبَتَ لَهُمْ حُكْمُ الرِّدَّةِ . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُسْبَى . قُلْنَا: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ , ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ . فَأَمَّا أَوْلَادُ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنْ كَانُوا وُلِدُوا قَبْلَ الرِّدَّةِ , فَإِنَّهُمْ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ , وَلَا يَتْبَعُونَهُمْ فِي الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو , وَقَدْ تَبِعُوهُمْ فِيهِ , فَلَا يَتْبَعُونَهُمْ فِي الْكُفْرِ , فَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ صِغَارًا ; لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ , وَلَا كِبَارًا ; لِأَنَّهُمْ إنْ ثَبَتُوا عَلَى إسْلَامِهِمْ بَعْدَ كُفْرِهِمْ فَهُمْ مُسْلِمُونَ , وَإِنْ كَفَرُوا فَهُمْ مُرْتَدُّونَ , حُكْمُهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ فِي الِاسْتِتَابَةِ , وَتَحْرِيمِ الِاسْتِرْقَاقِ . وَأَمَّا مَنْ حَدَثَ بَعْدَ الرِّدَّةِ , فَهُوَ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ , لِأَنَّهُ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ , وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَدٍّ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ . وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ اسْتِرْقَاقُهُمْ ; لِأَنَّ آبَاءَهُمْ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ , وَلِأَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ , فَلَا يُقَرُّونَ بِالِاسْتِرْقَاقِ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ وُلِدُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ , وَإِنْ وُلِدُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ , جَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ . وَلَنَا , أَنَّهُمْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ , فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ , كَوَلَدِ الْحَرْبِيَّيْنِ , بِخِلَافِ آبَائِهِمْ . فَعَلَى هَذَا , إذَا وَقَعَ فِي الْأَسْرِ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ , وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , لَمْ يُقَرَّ بِالْجِزْيَةِ , وَكَذَلِكَ لَوْ بَذْلَ الْجِزْيَةَ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ , لَمْ يُقَرَّ بِهَا ; لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى الْكُفْرِ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ . فَأَمَّا مَنْ كَانَ حَمْلًا حِينَ رِدَّتِهِ , فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ كَالْحَادِثِ بَعْدَ كُفْرِهِ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ , هُوَ كَالْمَوْلُودِ ; لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ , وَلِهَذَا يَرِثُ . وَلَنَا , أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْدَ الْوَضْعِ , فَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ .

( 7104 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ :( وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَوْلَادِهِمَا الَّذِينَ وَصَفْتُ مِنْ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْبُلُوغِ , اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا , فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ ).

قَوْلُهُ: الَّذِينَ وَصَفْتُ . يَعْنِي الَّذِينَ وُلِدُوا قَبْلَ الرِّدَّةِ , فَإِنَّهُمْ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِمْ , فَلَا يُسْتَرَقُّونَ . وَمَتَى قَدَرَ عَلَى الزَّوْجَيْنِ , أَوْ عَلَى أَوْلَادِهِمَا , اُسْتُتِيبَ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا , فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ , وَمَنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ انْتَظَرْنَا بُلُوغَهُ , ثُمَّ اسْتَتَبْنَاهُ , فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ , وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْبَسَ حَتَّى لَا يَهْرُبَ .

( 7105 ) فَصْلٌ: وَمَتَى ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ , وَجَرَتْ فِيهِ أَحْكَامُهُمْ , صَارُوا دَارَ حَرْبٍ فِي اغْتِنَامِ أَمْوَالِهِمْ , وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ الْحَادِثِينَ بَعْدَ الرِّدَّةِ , وَعَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت