فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 738

فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا , لَا يُسْتَتَابُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ , فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ اسْتَتَابَ سَاحِرًا , وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَةَ , أَنَّ السَّاحِرَةَ سَأَلَتْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ , هَلْ لَهَا مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَمَا أَفْتَاهَا أَحَدٌ . وَلِأَنَّ السِّحْرَ مَعْنًى فِي قَلْبِهِ , لَا يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ , فَيُشْبِهُ مَنْ لَمْ يَتُبْ , وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ , يُسْتَتَابُ , فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَعْظَمَ مِنْ الشِّرْكِ , وَالْمُشْرِكُ يُسْتَتَابُ , وَمَعْرِفَتُهُ السِّحْرَ لَا تَمْنَعُ قَبُولَ تَوْبَتِهِ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبِلَ تَوْبَةَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ وَجَعَلَهُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فِي سَاعَةٍ , وَلِأَنَّ السَّاحِرَ لَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ صَحَّ إسْلَامُهُ وَتَوْبَتُهُ , فَإِذَا صَحَّتْ التَّوْبَةُ مِنْهُمَا صَحَّتْ مِنْ أَحَدِهِمَا , كَالْكُفْرِ , وَلِأَنَّ الْكُفْرَ وَالْقَتْلَ إنَّمَا هُوَ بِعَمَلِهِ بِالسِّحْرِ , لَا بِعِلْمِهِ , بِدَلِيلِ السَّاحِرِ إذَا أَسْلَمَ , وَالْعَمَلُ بِهِ يُمْكِنُ التَّوْبَةُ مِنْهُ , وَكَذَلِكَ اعْتِقَادُ مَا يَكْفُرُ بِاعْتِقَادِهِ , يُمْكِنُ التَّوْبَةُ مِنْهُ كَالشِّرْكِ , وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ التَّوْبَةِ فِي الدُّنْيَا , مِنْ سُقُوطِ الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ , فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى , وَسُقُوطِ عُقُوبَةِ الدَّارِ الْآخِرَةِ عَنْهُ , فَتَصِحُّ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَسُدَّ بَابَ التَّوْبَةِ عَنْ أَحَدٍ , مِنْ خَلْقِهِ , وَمَنْ تَابَ إلَى اللَّهِ قَبِلَ تَوْبَتَهُ , لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .

( 7128 ) فَصْلٌ: وَالسِّحْرُ الَّذِي ذَكَرْنَا حُكْمَهُ . هُوَ الَّذِي يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ سِحْرًا , مِثْلُ فِعْلِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ , حِينَ سَحَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ .

وَرَوَيْنَا فِي مَغَازِي الْأُمَوِيِّ أَنَّ النَّجَاشِيَّ دَعَا السَّوَاحِرَ , فَنَفَخْنَ فِي إحْلِيلِ عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ , فَهَامَ مَعَ الْوَحْشِ , فَلَمْ يَزَلْ مَعَهَا إلَى إمَارَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فَأَمْسَكَهُ إنْسَانٌ , فَقَالَ: خَلِّنِي وَإِلَّا مِتُّ , فَلَمْ يُخَلِّهِ , فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ . وَبَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ أَخَذَ سَاحِرَةً , فَجَاءَ زَوْجُهَا كَأَنَّهُ مُحْتَرِقٌ , فَقَالَ: قُولُوا لَهَا تَحُلُّ عَنِّي . فَقَالَتْ: ائْتُونِي بِخُيُوطٍ وَبَابٍ . فَأَتَوْهَا بِهِ , فَجَلَسَتْ عَلَى الْبَابِ , حِينَ أَتَوْهَا بِهِ وَجَعَلَتْ تَعْقِدُ , وَطَارَ بِهَا الْبَابُ , فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا . فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ , مِثْلُ أَنْ يَعْقِدَ الرَّجُلَ الْمُتَزَوِّجَ , فَلَا يُطِيقَ وَطْءَ زَوْجَتِهِ , هُوَ السِّحْرُ الْمُخْتَلَفُ فِي حُكْمِ صَاحِبِهِ , فَأَمَّا الَّذِي يُعَزِّمُ عَلَى الْمَصْرُوعِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْجِنَّ , وَيَأْمُرُهَا فَتُطِيعُهُ , فَهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ ظَاهِرًا . وَذَكَرَهُ الْقَاضِي , وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي جُمْلَةِ السَّحَرَةِ . وَأَمَّا مَنْ يَحُلُّ السِّحْرَ , فَإِنْ كَانَ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ , أَوْ شَيْءٍ مِنْ الذِّكْرِ وَالْإِقْسَامِ وَالْكَلَامِ الَّذِي لَا بَأْسَ بِهِ , فَلَا بَأْسَ بِهِ , وَإِنْ كَانَ بِشَيْءٍ مِنْ السِّحْرِ , فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهُ . قَالَ الْأَثْرَمُ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَحُلُّ السِّحْرَ , فَقَالَ: قَدْ رَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ . قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إنَّهُ يَجْعَلُ الطِّنْجِيرَ مَاءً , وَيَغِيبُ فِيهِ , وَيَعْمَلُ كَذَا , فَنَفَضَ يَدَهُ كَالْمُنْكِرِ , وَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا ؟ قِيلَ لَهُ: فَتَرَى أَنْ يُؤْتَى مِثْلُ هَذَا يَحُلُّ السِّحْرَ ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا ؟ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ , أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ يُعَذِّبُهَا السَّحَرَةُ , فَقَالَ رَجُلٌ: أَخُطُّ خَطًّا عَلَيْهَا , وَأَغْرِزُ السِّكِّينَ عِنْدَ مَجْمَعِ الْخَطِّ , وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ . فَقَالَ مُحَمَّدُ: مَا أَعْلَمُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَأْسًا عَلَى حَالٍ , وَلَا أَدْرِي مَا الْخَطُّ وَالسِّكِّينُ ؟ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الرَّجُلِ يُؤْخَذُ عَنْ امْرَأَتِهِ , فَيَلْتَمِسُ مَنْ يُدَاوِيهِ , فَقَالَ: إنَّمَا نَهَى اللَّهُ عَمَّا يَضُرُّ , وَلَمْ يَنْهَ عَمَّا يَنْفَعُ . وَقَالَ أَيْضًا: إنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْفَعَ أَخَاك فَافْعَلْ . فَهَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعَزِّمَ وَنَحْوَهُ , لَمْ يَدْخُلُوا فِي حُكْمِ السَّحَرَةِ ; وَلِأَنَّهُمْ لَا يُسَمَّوْنَ بِهِ , وَهُوَ مِمَّا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت