فهرس الكتاب

الصفحة 556 من 738

تَحَوُّلُ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَعَكْسُهُ :(1)

33 -ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ مَتَى ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ وَجَرَتْ فِيهِ أَحْكَامُهُمْ صَارَتْ الدَّارُ دَارَ حَرْبٍ , وَعَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ بَعْدَ الْإِنْذَارِ وَالْإِعْذَارِ , لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ بِجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ . 34 - وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ لَا تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ إلَّا بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أ - أَنْ تَجْرِيَ فِيهَا أَحْكَامُ أَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى الِاشْتِهَارِ , وَأَنْ لَا يُحْكَمَ فِيهَا بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ , أَمَّا لَوْ أُجْرِيَتْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ , وَأَحْكَامُ أَهْلِ الشِّرْكِ , فَلَا تَكُونُ دَارَ حَرْبٍ . ب - أَنْ تَكُونَ مُتَاخِمَةً ( أَيْ مُجَاوِرَةً ) لِدَارِ الْحَرْبِ , بِأَنْ لَا تَتَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ . ج - أَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنًا بِالْأَمَانِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ , لِلْمُسْلِمِ بِإِسْلَامِهِ , وَلِلذِّمِّيِّ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ . وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَيَقُولَانِ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ لَا غَيْرُ , وَهُوَ: إظْهَارُ حُكْمِ الْكُفْرِ , وَهُوَ الْقِيَاسُ . وَتَتَرَتَّبُ عَلَى دَارِ الرِّدَّةِ أَحْكَامٌ , اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا , تُنْظَرُ فِي مَظَانِّهَا , وَفِي مُصْطَلَحِ: ( رِدَّةٌ ) . 35 - وَتَتَحَوَّلُ دَارُ الْحَرْبِ إلَى إسْلَامٍ بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِيهَا كَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ , وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا كَافِرٌ أَصْلِيٌّ , وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ .

عَاشِرًا: تَدَاخُلُ الْحُدُودِ: (2)

20 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ - كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ - إذَا اتَّفَقَتْ فِي الْجِنْسِ وَالْمُوجِبِ أَيْ الْحَدِّ فَإِنَّهَا تَتَدَاخَلُ , فَمَنْ زَنَى مِرَارًا , أَوْ سَرَقَ مِرَارًا , أَوْ شَرِبَ مِرَارًا , أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ لِلزِّنَى الْمُتَكَرِّرِ , وَآخَرُ لِلسَّرِقَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ . وَآخَرُ لِلشُّرْبِ الْمُتَكَرِّرِ ; لِأَنَّ مَا تَكَرَّرَ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا سَبَقَهُ , فَدَخَلَ تَحْتَهُ . وَمِثْلُ ذَلِكَ حَدُّ الْقَذْفِ إذَا قَذَفَ شَخْصًا وَاحِدًا مِرَارًا , أَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ , فَإِنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ اتِّفَاقًا , بِخِلَافِ مَا لَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَاتٍ , أَوْ خَصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَذْفٍ . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ , فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ , ثُمَّ صَدَرَ مِنْهُ أَحَدُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَرَّةً أُخْرَى , فَإِنَّهُ يُحَدُّ ثَانِيًا , وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْفِعْلِ الَّذِي سَبَقَهُ , وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى عَدَمِ التَّدَاخُلِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ عِنْدَ اخْتِلَافِهَا فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهَا , فَمَنْ زَنَى وَسَرَقَ وَشَرِبَ حُدَّ لِكُلِّ فِعْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ ; لِاخْتِلَافِهَا فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهَا , فَلَا تَتَدَاخَلُ . أَمَّا إذَا اتَّحَدَتْ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَاخْتَلَفَتْ فِي الْجِنْسِ , كَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ مَثَلًا , فَلَا تَدَاخُلَ بَيْنَهَا عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ , وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَتَتَدَاخَلُ ; لِاتِّفَاقِهَا فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهَا , وَهُوَ الْحَدُّ , فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي الْقَذْفِ ثَمَانُونَ جَلْدَةً وَفِي الشُّرْبِ أَيْضًا مِثْلُهُ , فَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا سَقَطَ عَنْهُ الْآخَرُ . وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ إلَّا وَاحِدًا فَقَطْ , ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ شَرِبَ أَوْ قَذَفَ , فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِمَا ضُرِبَ لَهُ عَمَّا ثَبَتَ . وَمِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ - أَيْ الْمَالِكِيَّةِ - مَا لَوْ سَرَقَ وَقَطَعَ يَمِينَ آخَرَ , فَإِنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ . وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْحُدُودِ الْقَتْلُ , فَإِنْ كَانَ فِيهَا الْقَتْلُ , فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا كَانَتْ حُدُودٌ فِيهَا قَتْلٌ إلَّا أَحَاطَ الْقَتْلُ بِذَلِكَ كُلِّهِ , وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ وَقَدْ حَصَلَ . وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ حَدَّ الْقَذْفِ , فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْقَتْلِ , بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِيفَائِهِ قَبْلَهُ . وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ لَا يَكْتَفُونَ بِالْقَتْلِ , وَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّدَاخُلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , بَلْ يُقَدِّمُونَ الْأَخَفَّ ثُمَّ الْأَخَفَّ , فَمَنْ سَرَقَ وَزَنَى وَهُوَ بِكْرٌ , وَشَرِبَ وَلَزِمَهُ قَتْلٌ بِرِدَّةٍ , أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُدُودُ الْوَاجِبَةُ فِيهَا بِتَقْدِيمِ الْأَخَفِّ ثُمَّ الْأَخَفِّ .

(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 3733)

(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 3852)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت