فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 738

وكذلك يؤدب الساحر الذي سحر مسلمًا، ولم يدخل بسحره ضررًا عليه، فإن أدخل ضررًا على مسلم كان ناقضًا للعهد، يفعل فيه الإمام القتل أو الاسترقاق ما لم يسلم، فإن أدخل ضررًا على أهل الكتاب أدب ما لم يقتل منهم أحدًا، وإلا قتل، ويشدد بالضرب الشديد والسجن على من سب من لم يجمع على نبوته، كالخضر ولقمان، والسيدة مريم بغير الزنا، أو سب احدًا من ذريته عليه الصلاة والسلام فإنه يشدد عليه في التأديب بالضرب إن علم أنه من آله صلى اللّه عليه وسلم، وإن لم يكن من آل بيت النبوة، وادعى صراحة، أو أحتمالا أنه من ذريته صلى اللّه عليه وسلم، كلبس عمامة خضراء ونحو ذلك. فلا يبالغ في تقريره وتأديبه، لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (لعن اللّه الداخل فينا بغير نسب، والخارج منا بغير سبب) وقال الإمام مالك رضي اللّه هنه: من ادعى الشرف كاذبًا ضرب ضربًا شديدًا شهرًا وميحبس مدة طويلة حتى تظهر لنا توبته، لأن ذلك استخفاف بحقه صلوات اللّه وسلامه عليه.

قالوا: ومن سب صحابيًا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإنه يعزر ويحبس، ولا يحد، ومثل السب تكفير بعضهم، ولو كان من الخلفاء الأربعة رضوان اللّه عليهم فإنه لا يكفر، ولكن يؤدب أما من كفر جميع الصحابة فإنه يكفر باتفاق، لأنه أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، وكذب اللّه ورسوله، وإذا شهد عليه عدل فقط، أو جماعة من الناس غير مقبولين بأنه سب نبيًا مجمعًا على نبوته، فإنه يعزر بالضرب. أو قال: لقيت من شدة المشقة في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر ما استوجبته، أما لو قصد الاعتراض على اللّه فهو مرتد بدون خلاف.

الحنفية قالوا: إن تصرفات المرتد على أقسام:

1 -نافذ بالاتفاق: كالاستيلاد، والطلاق، لأنه لا يفتقر إلى حقيقة الملك وتمام الولاية، وإن كانت الفرقة تقع بين الزوجين بمجرد الارتداد.

2 -باطل بالاتفاق: كالنكاح، والذبيحة، لأن كل واحج منهما يعتمد الملة، والمرتد لا ملة له، لأنه ترك ما كان عليه، ولا يقر على ما جخل فيه، لوجوب قتله بالردة.

3 -موقوف بالاتفاق: كالمفاوضة، كأن فاوض المرتد، توفق فإن أسلم نفذت المفاوضة، وإن مات أو قتل، أو قضى بلحاقه بدار الحرب بطلت بالاتفاق، لأن المفاوضة تعتمد المساواة بين الطرفين، ولا مساواة بين المسلم والمرتد، مالم يسلم.

4 -مختلف في توقفه: وهو البيع، والشراء، والعتق، والهية، والرهن، والتصرف في أمواله في حال ردته، فأبو حنيفة رحمه اللّه قال: إن هذه التصرفات المذكورة تتوفق، فإن أسلم صحت عقوده. وإن مات أو قتل، أو لحق بدار الحرب بطلت. لأنه حربي متهور تحت أيدينا، كما قررناه في توفق الملك، وتوقف التصرفات بناء على توفق الملك، وصار كالحربي يدخل دارنا بغير أمان، فيؤخذ ويقهر، وتتوقف تصرفاته لتوقف حاله، فكذا المرتد، ولأنه يستحق القتل لبطلان سبب العصمة، فأوجب خللًا في الأهلية. بخلاف الزاني المحصن، وقاتل العمد، لأن الاستحقاق فيهما جزاء على الجناية، مع بقاء سبب العصمة، وهو الإسلام، فيبقى مالكًا حقيقة، وبخلاف المرأة المرتدة لأنها ليست حربية ولهذا لا تقتل بعد الردة أما المرتد فقد زال ملكه عن أمواله بردته، كما ذكرنا.

أبو يوسف ومحمد قالا: يجوز ما صنع المرتد، وتنفذ عقوده التي عقدها قبل الردة وبعدها، لأن الصحة تعتمد الأهلية، والنفاذ يعتمد الملك، ولا خفاء في وجود الأهلية لكونه مخاطبًا، وكذلك الملك لقيامه قبل موته، وعدم زواله بالردة، لأنه مكلف محتاج ولا يتمكن من إقامة موجب التكليف إلا بالملك فيبقى ملكه إلى أن يقتل، ولهذا لو ولد له ولد بعد الردة لستة أشهر من امرأة مسلمة يرثه بعد موته.

قالوا: فإن عاد المرتد بعد الحكم بلحاقه بدار الحرب إلى دار الإسلام مسلمًا، فما وجوده في يد ورثته من ماله بعينه أخذه، لأن الوارث إنما يخلف فيه لاستغنائه عنه بالموت المحكوم به، بدخوله دار الحرب. وإذا عاد مسلمًا احتاج إليه فيقدم على الوارثن بخلاف ما إذا أزاله الوارث عن ملكه، وبخلاف أمها اولاده، ومدبريه لأن القضاء قد صح بدليل مصحح فلا ينقض، ولو جاء مسلمًا قبل أن يقضي القاضي بذلك، فكأنه لم يزل مسلمًا، فأمواله على حالها، وما كان عليه من الديون فهو إلى أجله، ويصح تصرفه.

*مبحث ردة الصبي والمجنون.

الحنفية قالوا: إن ارتداد الصبي الذي يعقل ارتداد تام، فيجري عليه أحكام المرتد، فيبطل نكاحه، ويحرم من الميراث، ويجبر على الإسلام، ولا يقتل، وإن أدرك كافرًا، يحبس كالمرأة، وإسلام الصبي المميز إسلام، لأن عليًا رضي اللّه عنه أسلم في صباه وهو أبن خمس سنين، وصحح النبي صلى اللّه عليه وسلم إسلامه، وافتخر سيدنا علي بذلك.

فقال:

سبقتكمو إلى الإسلام طرًا * غلامًا ما بلغت أوان حلمي

ولأنه أتى بحقيقة الإسلام، وهي التصديق والإقرار معه، والتصديق الباطني يحكم به للإقرار الدال عليه، على ما عرف من تعليق الحكام المتعلقة بالباطن به، ولأن الإقرار عن طوع دليل على الاعتقاد، ولأن النبي صلى اللّه عليه وسلم عرض الإسلام على أبن صياد، وهو غلام لم يبلغ الحلم.

قيل: ومن أقبح القبائح أن لا يسمى مسلمًا مع اشتغله بتعلم القرآن وتعليمه، والنطق بالشهادتين والصلاة.

قالوا: والحقائق لا ترد. وما يتعلق به سعادة أبدية، ونجاة عقبى وهي من أجل المنافع وهو الحكم الأصلي، ثم يبتنى عليه غيرها، فلا يبالى بشوبه للضررولانه تقبل صلاته وصومه ويثاب عليهما عند اللّه تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت