وَإِذَا قَضَى دَيْنَهُ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ أَوْ رَهْنَهُ بِالدَّيْنِ فَقَدْ فَعَلَ عَيْنَ مَا كَانَ يَحِقُّ فِعْلُهُ (1) ; فَلِهَذَا كَانَ نَافِذًا , وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِكَسْبِ الْإِسْلَامِ فِي قَضَاءِ دُيُونِهِ , فَإِنْ لَمْ تَفِ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مِلْكِ الْمَدْيُونِ , وَكَسْبُ الْإِسْلَامِ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ , وَلِهَذَا يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِيهِ , وَخِلَافَةُ الْوَارِثِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حَقِّهِ فَأَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ فَلَا يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْهُ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ , فَعَلَى هَذَا لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي الرَّهْنِ , وَقَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ إذَا كَانَ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ وَفَاءٌ بِذَلِكَ , وَرَوَى زُفَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ دُيُونَ إسْلَامِهِ تُقْضَى مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ , وَمَا اسْتَدَانَ فِي الرِّدَّةِ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْكَسْبَيْنِ مُخْتَلِفٌ , وَحُصُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَسْبَيْنِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الدَّيْنُ فَيَقْضِي كُلَّ دَيْنٍ مِنْ الْكَسْبِ الْمُكْتَسَبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ , وَبِهِ أَخَذَ زُفَرُ رحمه الله تعالى .
وَإِنَّ جَنَى الْمُرْتَدُّ جِنَايَةً لَمْ يَعْقِلْهُ الْعَاقِلَةُ ; (2)
لِأَنَّ تَحَمُّلَ الْعَقْلِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى النُّصْرَةِ , وَهُوَ أَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْجِنَايَةِ بِقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ , وَأَحَدٌ لَا يَنْصُرُ الْمُرْتَدَّ , أَوْ ذَلِكَ لِلتَّخْفِيفِ عَلَى الْجَانِي لِعُذْرِ الْخَطَأِ , وَالْمُرْتَدُّ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلتَّخْفِيفِ فَيَكُونُ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ , وَكَذَلِكَ مَا غَصَبَ وَأَتْلَفَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ فَذَلِكَ كُلُّهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إلَّا مَا اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ كَسْبُهُ فَيَكُونُ مَصْرُوفًا إلَى دَيْنِهِ كَكَسْبِ الْمُكَاتَبِ .
وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمُرْتَدِّ هَدَرٌ ; (3)
لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِعِصْمَةِ نَفْسِهِ , وَقَدْ انْعَدَمَتْ الْعِصْمَةُ بِرِدَّتِهِ فَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ هَدَرًا .
(1) - المبسوط - (ج 12 / ص 235)
(2) - المبسوط - (ج 12 / ص 236)
(3) - المبسوط - (ج 12 / ص 237)
(4) - المبسوط - (ج 12 / ص 238)