وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ قُلْنَا تُسْتَرَقُّ إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم , فَإِنَّ بَنِي حَنِيفَةَ لَمَّا ارْتَدُّوا اسْتَرَقَّ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه نِسَاءَهُمْ , وَأَصَابَ عَلِيٌّ رضي الله عنه جَارِيَةً مِنْ ذَلِكَ السَّبْيِ فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ حَنَفِيَّةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى , وَذَكَرَ عَاصِمٌ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي النِّسَاءِ إذَا ارْتَدَدْنَ يُسْبَيْنَ وَلَا يُقْتَلْنَ , وَهَذَا لِأَنَّهَا كَالْحَرْبِيَّةِ , وَالِاسْتِرْقَاقُ مَشْرُوعٌ فِي الْحَرْبِيَّاتِ , وَمَا دَامَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا تُسْتَرَقُّ ; لِأَنَّ حُرِّيَّتَهَا الْمُتَأَكِّدَةَ بِالْإِحْرَازِ لَمْ تَبْطُلْ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ , وَهِيَ دَافِعَةٌ لِلِاسْتِرْقَاقِ , وَإِنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ بِدَارِ الِاسْتِرْقَاقِ , وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهَا تُسْتَرَقُّ ; لِأَنَّا لَمَّا جَعَلْنَا الْمُرْتَدَّ بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيٍّ مَقْهُورٍ لَا أَمَانَ لَهُ فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدَّةُ بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيَّةٍ مَقْهُورَةٍ لَا أَمَانَ لَهَا فَتُسْتَرَقُّ , وَإِنْ كَانَتْ فِي دَارِنَا .
فَإِنْ تَصَرَّفَتْ فِي مَالِهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ نَفَذَ تَصَرُّفُهَا مَا دَامَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ مِلْكِهَا , بِخِلَافِ الرَّجُلِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى , وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ قَالَ: الْمَرْأَةُ لَا تُقْتَلُ , وَالرَّجُلُ يُقْتَلُ , وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ عِصْمَةَ الْمَالِ تَبَعٌ لِعِصْمَةِ النَّفْسِ , فَبِالرِّدَّةِ لَا تَزُولُ عِصْمَةُ نَفْسِهَا حَتَّى لَا تُقْتَلَ فَكَذَلِكَ عِصْمَةُ مَالِهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ , وَلِهَذَا اسْتَوَتْ بِالرَّجُلِ فِي التَّصَرُّفِ بَعْدَ اللُّحُوقِ ; لِأَنَّ عِصْمَةَ نَفْسِهَا تَزُولُ بِلِحَاقِهَا حَتَّى تُسْتَرَقَّ , وَالِاسْتِرْقَاقُ إتْلَافٌ حُكْمًا فَكَذَلِكَ عِصْمَةُ مَالِهَا .
فَإِنْ مَاتَتْ فِي الْحَبْسِ أَوْ لَحِقَتْ بِدَارُ الْحَرْبِ قُسِّمَ مَالُهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا , وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ كَسْبُ إسْلَامِهَا وَكَسْبُ رِدَّتِهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعِصْمَةَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ رِدَّتِهَا فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَسْبَيْنِ مِلْكَهَا فَيَكُونُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهَا , وَلَا مِيرَاثَ لِزَوْجِهَا مِنْهَا ; لِأَنَّهَا بِنَفْسِ الرِّدَّةِ قَدْ بَانَتْ مِنْهُ , وَلَمْ تَصِرْ مُشْرِفَةً عَلَى الْهَلَاكِ فَلَا تَكُونُ فِي حُكْمِ الْفَارَّةِ الْمَرِيضَةِ , وَلِزَوْجِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا بَعْدَ لِحَاقِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ; لِأَنَّهَا صَارَتْ حَرْبِيَّةً فَكَانَتْ كَالْمَيِّتَةِ فِي حَقِّهِ , وَبَعْدَ مَوْتِهَا لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا , وَلِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَى الْحَرْبِيَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِ ; لِأَنَّ الْعِدَّةَ فِيهَا حَقُّ الزَّوْجِ , وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ مُنَافٍ لَهُ , فَإِنْ سُبِيَتْ أَوْ عَادَتْ مُسْلِمَةً لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ نِكَاحُ الْأُخْتِ ; لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا سَقَطَتْ الْعِدَّةُ عَنْهَا لَا تَعُودُ مُعْتَدَّةً , ثُمَّ إنْ جَاءَتْ مُسْلِمَةً فَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مِنْ سَاعَتِهَا ; لِأَنَّهَا فَارِغَةً عَنْ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ , وَإِنْ سُبِيَتْ أُجْبِرَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا كَانَتْ تُجْبَرُ عَلَيْهِ قَبْلَ لِحَاقِهَا .
وَإِنْ وَلَدَتْ بِأَرْضِ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَتْ , وَمَعَهَا وَلَدُهَا كَانَ وَلَدُهَا فَيْئًا مَعَهَا ; لِأَنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا , وَهِيَ حَرْبِيَّةٌ تُسْتَرَقُّ فَكَذَلِكَ وَلَدُهَا .
إذا أنكرت الردة (3)
وَإِذَا رَفَعَتْ الْمُرْتَدَّةُ إلَى الْإِمَامِ فَقَالَتْ مَا ارْتَدَدْت , وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَهَذَا تَوْبَةٌ مِنْهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ تَوْبَةَ الْمُرْتَدِّ بِالْإِقْرَارِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ , وَالتَّبَرِّي عَمَّا كَانَ انْتَقَلَ إلَيْهِ , وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ , فَإِنَّهُ بِالْإِنْكَارِ يَحْصُلُ نِهَايَةُ التَّبَرِّي فَلِهَذَا كَانَ ذَلِكَ تَوْبَةً مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا .
(1) - المبسوط - (ج 12 / ص 247)
(2) - المبسوط - (ج 12 / ص 249)
(3) - المبسوط - (ج 12 / ص 250)
(4) - المبسوط - (ج 12 / ص 251)