فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 738

( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمَرَ اللَّهِ - تَعَالَى - يُرِيدُ بِهِ الرُّجُوعَ إلَى الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ لَا يُسْتَتَابُ وَلَا يُعْرَضُ لَهُ . وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم { مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } يُرِيدُ الدِّينَ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ وَدَعَا إلَيْهِ , وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ مِلَّةِ الْكُفْرِ إلَى غَيْرِهِ فَلَمْ يُغَيِّرْ بِذَلِكَ دِينَهُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ: سَوَاءٌ خَرَجَ إلَى دِينِ مَجُوسٍ أَوْ كِتَابٍ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إذَا بَلَغَنِي تَبَرُّؤٌ مِنْ الْأَمْرِ وَتَصْرِيحٌ بِخَطَأِ فَاعِلِهِ , وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِنَصٍّ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ إجْمَاعٍ بَعْدَهُ . وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَتَابَ أَهْلَ الرِّدَّةِ . وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الصِّدِّيقَ اسْتَتَابَ أُمَّ قِرْفَةَ إذْ ارْتَدَّتْ فَقَتَلَهَا فَلَعَلَّهُ قَدْ عَلِمَ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَفَعَلَ أَبُو مُوسَى غَيْرَ ذَلِكَ فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ عُمَرُ , وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ أَبُو مُوسَى مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَحَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ لِغَيْرِ مَا يَرَاهُ عُمَرُ لَمْ يَبْلُغْ عُمَرُ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدَّ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لِأَبِي مُوسَى ذَلِكَ لِمَا جَازَ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْحُكْمَ حَتَّى يُطَالِعَهُ عَلَى قَضِيَّتِهِ , وَفِي هَذَا مِنْ فَسَادِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَتَوَقُّفِ الْأَحْكَامِ مَا لَا خَفَاءَ فِيهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ .

وفي عمدة القاري :(1)

7103 - حدثنا ( علي بن عبد الله ) قال حدثنا ( سفيان ) عن ( أيوب ) عن ( عكرمة ) أن عليا رضي الله تعالى عنه حرق قوما فبلغ ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تعذبوا بعذاب الله ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه

مطابقته للترجمة في قوله لا تعذبوا بعذاب الله وعلى بن عبد الله هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة وأيوب هو السختياني وعكرمة هو مولى ابن عباس

والحديث أخرجه البخاري أيضا في استتابة المرتدين عن أبي النعمان محمد بن الفضل وأخرجه أبو داود في الحدود عن أحمد بن حنبل وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن عبدة الضبي وأخرجه النسائي في المحاربة عن محمد بن عبد الله المخزومي وعن عمران بن موسى وعن محمود بن غيلان وأخرجه ابن ماجه في الحدود عن محمد ابن الصباح قوله إن عليا حرق قوما وفي رواية الحميدي أن عليا أحرق المرتدين يعني الزنادقة وفي رواية ابن أبي عمر وعمر ابن عباد جميعا عن سفيان قال رأيت عمرو بن دينار وأيوب وعمار الدهني اجتمعوا فتذاكروا الذين أحرقهم علي فقال أيوب فذكر الحديث قال فقال عمار لم يحرقهم ولكن حفر لهم حفائر وحرق بعضها إلى بعض ثم دخن عليهم وقال عمرو بن دينار أراد بذلك الرد على عمار الدهني في إنكاره أصل التحريق وقال المهلب ليس نهيه عن التحريق على التحريم وإنما هو على سبيل التواضع والدليل على أنه ليس بحرام سمل الشارع أعين الرعاة بالنار وتحريق الصديق رضي الله تعالى عنه الفجاءة بالنار في مصلى المدينة بحضرة الصحابة وتحريق علي رضي الله تعالى عنه الخوارج بالنار وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار وقول أكثرهم بتحريق المراكب وهذا كله يدل على أن معنى الحديث على الندب وممن كره رمي أهل الشرك بالنار عمرو بن عباس وابن عبد العزيز وهو قول مالك وأجازه علي وحرق خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ناسا من أهل الردة فقال عمر للصديق إنزع هذا الذي يعذب بعذاب الله فقال الصديق لا أنزع سيفا سله الله على المشركين وأجاز الثوري رمي الحصون بالنار وقال الأوزاعي لا بأس أن يدخن عليهم في المطمورة إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة ويحرقوا ويقتلوا كل قتال ولو لقيناهم في البحر رميناهم بالنفط والقطران وأجاز ابن القاسم رمي الحصن بالنار والمراكب إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة فقط قوله لو كنت أنا خبره محذوف أي لو كنت أنا بدله وكان ذلك من علي بالرأي والاجتهاد قوله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تعذبوا بعذاب الله هذا أصرح في النهي من الذي قبله وأخرج أبو داود هذا الحديث عن أحمد بن حنبل وفي آخره فبلغ ذلك عليا فقال ويح ابن عباس ورأيت في نسخة صحيحة ويح أم ابن عباس قوله من بدل دينه فاقتلوه هذا يدل على أن كل من بدل دينه يقتل ولا يحرق بالنارد وبه احتج ابن الماجشون أن المرتد يقتل ولا يستتاب وجمهور الفقهاء على استتابته فإن تاب قبلت توبته واحتج به الشافعي أيضا في قوله من انتقل من كفر إلى كفر أنه يقتل إن لم يسلم وهذا مثل اليهدوي إذا تنصر أو النصراني إذا تهود وعند أبي حنيفة لا يقتل لأن الكفر كله ملة واحدة واحتج به الشافعي أيضا في قتل المرتدة وعند أبي حنيفة لا تقتل بل تحبس

(1) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (ج 16 / ص 64)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت