لكن هذه اللوازم، منها ما يلتزمه صاحب القول، فهو له مذهب، ومنها ما ينكره أو يجهله، فهو ليس بقول له، ولو كان مذهبه مستلزمًا له حقيقة، وإضافة اللازم إليه في هذه الحال كذب، وغاية ما يمكننا القول أنه تناقض في قوله، ولا سبيل للقول بتكفيره في هذه الحال.
قال ابن حزم:"وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ، لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفرًا، بل قد أحسن إذ فر من الكفر".174
ويقول شيخ الإسلام:"فالصواب أن مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبًا عليه، بل ذلك يدل على فساد قوله، وتناقضه في المقال غير التزامه اللوازم التي يظهر أنها من قبل الكفر والمحال، مما هو أكثر، فالذين قالوا بأقوال يلزمها أقوال يعلم أنه لا يلتزمها، لكن لم يعلم أنها تلزمه...".175
ويقول ابن حجر المكي:"الصواب عند الأكثرين من علماء السلف والخلف: أنا لا نكفِّر أهل البدع والأهواء إلا إن أتوا بمكفر صريح، لا استلزامي، لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بلازم".176
والتكفير باللازم يؤدي إلى شناعة لا حد لها، إذ يستلزم تبادل التكفير بين المسلمين، حتى لا تبقى طائفة إلا وهي تكفر الأخرى المخالفة لها، بما تراه لازمًا لقولها، وهذا باب لفساد عريض.
يقول ابن حزم:"وأيضًا فإنه ليس للناس قول إلا ومخالف ذلك القول ملزم خصمه الكفر في فساد قوله وطرقه.177"
فالمعتزلة تنسب إلينا تجوير الله عز وجل وتشبيهه بخلقه، ونحن ننسب إليهم مثل ذلك سواء بسواء، ونلزمهم أيضًا تعجيز الله عز وجل، وأنهم يزعمون أنهم يخلقون كخلقه، وأن له شركاء في الخلق، وأنهم يستغنون عن الله عز وجل.
ومن أثبت الصفات يسمي من نفاها نافية، لأنهم قالوا: تعبدون غير الله تعالى، لأن الله تعالى له صفات، وأنتم تعبدون من لا صفة له، ومن نفى الصفات يقول لمن أثبتها: أنتم تجعلون مع الله عز وجل أشياء لم تزل وتشركون به غيره وتعبدون غير الله، لأن الله تعالى لا أحد معه ولا شيء معه في الأزل، وأنتم تعبدون شيئًا من جملة أشياء لم تزل....
وكل فرقة فهي تنتفي بما تسميها به الأخرى، وتكفر من قال شيئًا من ذلك، فصح أنه لا يكفر أحد إلا بنفس قوله ونص معتقده، ولا ينتفع أحد بأن يعبر عن معتقده بلفظ يحسن به قبحه، لكن المحكوم به هو مقتضى قوله فقط".178"
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"ولو كان لازم المذهب مذهبًا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة، فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة، وكل من لم يثبت بين الاسمين قدرًا مشتركًا لزم أن لا يكون شيء من الإيمان بالله ومعرفته والإقرار به إيمانًا، فإنه ما من شيء يثبته القلب إلا ويقال فيه نظير ما يقال في الآخر، ولازم قول هؤلاء يستلزم قول غلاة الملاحدة المعطلين الذين هم أكفر من اليهود والنصارى".179
ويقول:"ليس كل من تكلم بالكفر يكفر، حتى تقوم عليه الحجة المثبتة لكفره... فلازم المذهب ليس بمذهب، إلا أن يستلزمه صاحب المذهب، فخلق كثير من الناس ينفون ألفاظًا أو يثبتونها، بل ينفون معاني أو يثبتونها، ويكون ذلك مستلزمًا لأمور هي كفر، وهم لا يعلمون بالملازمة، بل يتناقضون، وما أكثر تناقض الناس لا سيما في هذا الباب، وليس التناقض كفرًا".180
وهذا المزلق، أي: التكفير بلازم القول. وقع به أهل البدع الذين يكفر بعضهم بعضًا، يقول ابن رشد (الحفيد) :"وأكثر أهل البدع إنما يكفرون بالمآل". 181
لذا استقبح العلماء التكفير باللازم، واعتبروه ضربًا من الجهل ورِقَّة الدين"وقد علم كل من كان من الأعلام أن التكفير بالإلزام من أعظم مزالق الأقدام، فمن أراد المخاطرة بدينه فعلى نفسه جنى".182
وأما من أراد السلامة في دينه والبراءة من الولوغ في ظلم الآخرين فإنه لا ينسب إلى الآخرين إلا صريح قولهم ، ولا يحاسبهم بما تؤول إليه أقوالهم مما يستنكونه ولا يقرونه، فهذا فعل أهل البدع لا الحق والرشاد.
العذر بالجهل
أولًا: أدلة العذر بالجهل
شاء الله عز وجل برحمته وعدله أن لا يعذب أحدًا إلا وقد قامت عليه حجته تبارك وتعالى، بما أودعه في عباده من العقل وما هداهم إليه من الفطرة.
ولأجل ذلك بعث الله المرسلين وآتاهم الآيات والبينات ] رسلًا مبشّرين ومنذرين لئلاّ يكون للنّاس على اللّه حجّة بعد الرّسل وكان اللّه عزيزًا حكيمًا [ (النساء: 165) ، وأما أولئك الذين لم تقم عليهم حجة الله لعدم وصول الرسالة إليهم، فأولئك يرفع الله عنهم - بعدله - عذابه، فيقول: ] وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولًا [ (الإسراء: 15) .
وقد رفع الله الإصر والعذاب عن أولئك الذين لا يقدرون على فهم حجته لعدم أهليتهم لتقبلها وفهمها، قال e: (( أربعة يحتجون على الله يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرِم، ورجل مات في فترة ) ).183
وهذا بعض عدل الله ورحمته بعباده، ولكن ماذا عن الجاهل الذي أخطأ لجهله من غير أن يعمد إلى عصيان الله، هل تسعه رحمة الله التي وسعت أولئك؟
والجواب الذي لا يختلف عليه المسلمون: هو أن رحمة الله تسعه كما وسعت غيره، يقول ابن تيمية:"فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه، كالمجنون مثلًا..".184