فهرس الكتاب

الصفحة 678 من 738

ومما سبق يتبين وجوب التفريق بين الحكم المطلق والحكم على معين، فلئن كان رسول الله لعن بإطلاق شارب الخمر، فإنه r نهى عن لعن معين من أصحابه شربها، ولئن كفر العلماء بإطلاق القائل بأن القرآن مخلوق، فإنهم امتنعوا عن تكفير آحاد القائلين به، إذ قد يتخلف تحقق الوعيد العام لأعذار قامت في المعين أو لغيرها من الموانع، وهذا الحكم يسري على سائر المكفرات.

الحكم بالظاهر والإعراض عن السرائر

الحكم بالظاهر والإعراض عن السرائر قاعدة شرعية متينة يلوذ بها الورع في دينه، والذي يؤثر السلامة فيه، فالأصل في سائر معاملات الشريعة ظاهر حال الإنسان، أما باطنه فمرجعه إلى عالم السر والنجوى.

أما من أظهر الكفر فهذا ما نغفل الحديث عنه في هذا المبحث، وله أحكام مفصلة معروفة في أبواب أحكام الكفار والمرتدين.

وأما المسلم الذي يظهر الإسلام ويدعيه، فإذا ما اشتبه علينا أمره، ودارت بنا الظنون في حقيقة ما يبطنه لما نرى من مريب أحواله وأفعاله، فإن شرعة الله تلزمنا معاملته على ما أعلن في ظاهر أمره، فيما الله يختص بحسابه في دار جزائه وعدله.

فإذا أظهر لنا المسلم إسلامًا قبل منه في الدنيا علانيته، وأقيمت عليه أحكام الشريعة فيها: (( من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته ) ). 152

قال الطحاوي:"ونسمى أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ماداموا بما جاء به النبي r معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين".

وقال شارح الطحاوية:"والمراد بقوله: (أهل قبلتنا) من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة، وإن كان من أهل الأهواء أو من أهل المعاصي، ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول". 153

وليس كل من نشهد له بالإسلام هو كذلك، بل قد نقرأ من بعض فعاله وأقواله مكنون قلبه وما انطوى عليه من الكفر، ولكن تبقى معاملته بحسب الظاهر.

يقول الله تعالى وهو يقرر هذه القاعدة في صدور المؤمنين: ]يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا[ (النساء: 94) .

قال الشوكاني:"والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه، ويقولوا: إنه إنما جاء بذلك تعوذًا وتقية". 154 فظاهره الإسلام، وهو يقين في حقه، لا يرفعه ظنوننا وشكوكنا في دوافعه.

ويقول r في تقرير هذه القاعدة العظيمة: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله ) ).155

فقوله r: (( عصموا مني... وحسابهم على الله ) )، شهد لهم في الدنيا بعصمة الدماء والأموال وغيرها من أحكام الإسلام بما أظهروا من الإسلام، والله يتولى حسابهم على ما في قلوبهم في الآخرة.

قال ابن رجب:"وأما في الآخرة فحسابه على الله عز وجل، فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار".156

وقال القاضي عياض:"فالعصمة مقطوع بها مع الشهادة، ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع، ولا قاطع [إلا] من شرع، ولا قياس عليه" .157

وقال ابن حجر:"أي في أمر سرائرهم.. وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر.. ويؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد".158

وقال البغوي:"وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضًا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره".159

وفي الصدر الأول من المجتمع الإسلامي وجد المنافقون الذين أظهروا الإيمان تقية وطمعًا، وأبطنوا الكفر الصراح، فسماهم الله إخوان المشركين ]ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا [ (الحشر: 11) ، وتوعدهم الله بعذاب ما توعد به الكافرين ] إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا[ (النساء: 145) .

وأطلع الله نبيه على أسماء كثير من المنافقين، لكنه r لم يقتل أحدًا منهم بسبب ردته، ولا منع توارثهم مع أوليائهم، لا بل لم يترك النبي r الصلاة على ميتهم والاستغفار لهم حتى نهي عن ذلك.

وكل ذلك إنما هو إجراء لأحكام أهل الإسلام عليهم بما أظهروا منه، فيما يتوعدهم الله في الآخرة بأليم عذابه ] استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم ذلك بأنّهم كفروا باللّه ورسوله واللّه لا يهدي القوم الفاسقين[ (التوبة: 80) .

قال الإمام الشافعي في بيان شأن المنافقين:"الله عز وجل أخبر عن المنافقين بأنهم اتخذوا أيمانهم جُنة، يعني - والله أعلم: من القتل، ثم أخبر بالوجه الذي اتخذوا به أيمانهم جُنة فقال: ]ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا [ فأخبر عنهم بأنهم آمنوا ثم كفروا بعد الإيمان كفرًا إذا سئلوا عنه أنكروه، وأظهروا الإيمان وأقروا به، وأظهروا التوبة منه، وهم مقيمون فيما بينهم وبين الله على الكفر، قال الله جل ثناؤه: ] يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم[ (التوبة: 74) ."

فأخبر بكفرهم وجحدهم وكذب سرائرهم، وذكر كفرهم في غير آية.. وحكم فيهم - جل ثناؤه - في الدنيا بأن ما أظهروا من الإيمان، وإن كانوا به كاذبين، لهم جُنة من القتل، وهم المسرون الكفر المظهرون الإيمان...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت