يقول ابن تيمية وهو يعدد بعض موانع لحوق الوعيد بالمعين:"ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول r، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة.. وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا".140
والاجتراء على الله والافتئات على عفوه ورحمته كبيرة توبق العمل وتحبطه، وفيه قصة الرجلين من بني إسرائيل (( فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصِر. فوجده يومًا على ذنب فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي. أبعثت علي رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة.
فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا؟ أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لَتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته )) .141
قال ابن أبي العز الحنفي:"وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معيَّن أن الله لا يغفر له ولا يرحمه، بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت... ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدًا مخطئًا مغفورًا له، [ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص] ، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله".142
يقول ابن القيم:"والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا، فذلك ما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب".143
والقول بلزوم تحقق الوعيد في كل أحد قول أهل البدع، يقول ابن أبي العز:"البدع هي من هذا الجنس، فإن الرجل يكون مؤمنًا باطنًا وظاهرًا، لكن تأول تأويلًا أخطأ فيه، إما مجتهدًا، وإما مفرطًا مذنبًا، فلا يقال: إن إيمانه حبط لمجرد ذلك، إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي، بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة."
ولا نقول: لا يكفر، بل العدل هو الوسط، وهو أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته الرسول أو إثبات ما نفاه أو الأمر بما نهى عنه أو النهي عما أمر به يقال فيها الحق ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر، ويقال: من قالها فهو كافر، ونحو ذلك كما يذكر من الوعيد في الظلم في النفس والأموال...".144"
وهذا التفريق بين الكفر ومرتكبه طبقه السلف الصالح من أهل السنة والجماعة في واقعهم مع أشد مخالفيهم قسوة وظلمًا، فالقول بخلق القرآن وغيره مما قاله المعتزلة كفر لا يلزم منه كفر قائله، يقول شارح الطحاوية:"وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الآخرة، ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: ناظرت أبا حنيفة رحمه الله مدة حتى اتفق رأيي ورأيه أن من قال بخلق القرآن فهو كافر".145
وعلى الرغم من اتفاق بل إجماع أهل السنة على كفر القول بخلق القرآن146 فإنهم لم يقولوا بكفر معين ممن شارك في فتنة خلق القرآن، يقول شيخ الإسلام:"كان الإمام أحمد يكفِّر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته، لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول r ظاهرة بينة... لكن ما كان يكفر أعيانهم... ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية، ويدعون الناس إلى ذلك ويعاقبونهم، ويكفرون من لم يجبهم، ومع هذا فالإمام أحمد ترحم عليهم، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لمن يبين147 لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال لهم ذلك".148
ويقول:"التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه".149
ثم ذكر شيخ الإسلام مثلًا آخر، وهو صنيع الشافعي، يقول:"وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد - حين قال: (القرآن مخلوق) : كفرتَ بالله العظيم، بيّن له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك، لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد، لسعى في قتله، وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم".150
وطبق ابن تيمية رحمه الله هذا المسلك الأصيل عند علمائنا، فكان في محنته يقول للجهمية الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش:"أنا لو وافقتكم كنت كافرًا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم".151