فهرس الكتاب

الصفحة 676 من 738

وعن حكم هذا العاصي واسمه يقول:"ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم".129

وأما الإمام أحمد ومن وافقه من المحدثين، فإنهم حكموا بإسلام الزاني وأضرابه، لكنهم توقفوا في إطلاق اسم الإيمان عليه، وقد رفعه النبي e بقوله السالف، وأثبتوا له اسم الإسلام وأحكامه، فقال أحمد:"من أتى هذه الأربعة: الزنا والسرقة وشرب الخمر والنهبة التي يرفع الناس فيها أبصارهم إليه، أو مثلهن أو فوقهن فهو مسلم، ولا أسميه مؤمنًا، ومن أتى دون الكبائر نسميه مؤمنًا ناقص الإيمان."

فإن صاحب هذا القول يقول: لما نفى عنه النبي r الإيمان نفيته عنه، كما نفاه عنه الرسول r، والرسول لم ينفه إلا عن صاحب كبيرة، وإلا فالمؤمن الذي يفعل الصغيرة هي مكفََّرة بفعله للحسنات واجتنابه للكبائر، لكنه ناقص الإيمان عمن اجتنب الصغائر، فما أتى بالإيمان الواجب، ولكن خلطه بسيئات كفرت عنه بغيرها، ونقصت بذلك درجته عمن لم يأت بذلك". 130"

وهكذا فلئن رفعت النصوص اسم الإيمان عن بعض العصاة فإنها عاملتهم معاملة المؤمنين ، وحين أقامت عليهم الحدود حكمت بإسلامهم ، ولم تسقط عنهم حقًا من حقوق الإسلام، فدل ذلك على أن المنفي هو كمال الإيمان، لا أصله وحقيقته.

التفريق بين فعل الكفر والحكم بكفر الفاعل

لكن الذين يقعون في تكفير المسلمين لا يرون في فعلهم ما يخالف الاحتياط للدين وإحسان الظن بالمسلم، لأنهم - وحسب رأيهم - لا يكفرون إلا من وقع بما حكم الله ورسوله بكفر فاعله، فسقطت عنه عصمة المسلم وحقوقه، فهم لم يشهدوا عليه بالكفر إلا امتثالًا لحكم الشريعة في فعله أو قوله.

أما الراسخون من علماء الإسلام فإنهم لا يعتبرون الوقوع في الكفر مسوغًا للحكم بكفر المسلم قبل تبين حاله، فإنهم يفرقون بين وصف الفعل بالكفر ووسم فاعله بهذا الحكم، فإن ما ورد في النصوص من إطلاق حكم التكفير على فاعلي بعض الموبقات، لا يعني بالضرورة شمول الحكم كل من تلبس بهذه الموبقة.

والأصل في هذه العاصمة من قاصمة التكفير قصة الرجل الذي جلده النبي r في الشراب، فأُتي به يومًا، فأمر بجلده، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي r: (( لا تلعنه، فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ) ).131

فهذا رجل ينهى رسول الله عن لعنه، مع أنه r لعن شاربي الخمر كما في حديث أنس بن مالك: (( لعن رسول الله r في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له ) ).132

فشارب الخمر ملعون على لسان النبي r، بينما منع رسول الله r من لعن هذا المعين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب، لكونه يحب الله ورسوله، مع أنه لعن في الخمر عشرة ... ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين، الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة به".

ثم يقيس شيخ الإسلام التكفير على اللعن فيقول:"وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطًا بثبوت شروط، وانتفاء موانع".133

ويقول رحمه الله:"فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم - بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار - لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية، التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر، وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين".134

ويقول:"فقد يكون الفعل أو المقالة كفرًا، ويطلق القول بتكفير من قال تلك المقالة، أو فعل ذلك الفعل، ويقال: من قال كذا، فهو كافر، أو من فعل ذلك، فهو كافر."

لكن الشخص المعين الذي قال ذلك القول أو فعل ذلك الفعل لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. وهذا الأمر مطرد في نصوص الوعيد عند أهل السنة والجماعة، فلا يشهد على معيَّن من أهل القبلة بأنه من أهل النار، لجواز أن لا يلحقه الوعيد، لفوات شرط، أو لثبوت مانع".135"

ويقول ابن الهمام الحنفي:"اعلم أن الحكم بكفر من ذكرنا من أهل الأهواء .. محمله أن ذلك المعتقد في نفسه كفر، فالقائل به قائل بما هو كفر، وإن لم يكفر".136

أما ما يمنع تحقق الوعيد في المعين فهو أمور كثيرة يجمعها ما أسماه شيخ الإسلام"فوات شرط أو ثبوت موانع"، فثمة شروط لتحقق الوعيد كالعلم بحرمة الفعل، ففوات هذا الشرط بتحقق الجهل عذر يعذر الله به ]وما كان اللّه ليضلّ قومًا بعد إذ هداهم حتّى يبيّن لهم مّا يتّقون إنّ اللّه بكلّ شيءٍ عليم[ (التوبة: 115) .

قال ابن حزم:"لا يجوز أن يكفَّر أحد إلا من بلغه أمر عن رسول الله r، وصح عنده، فاستجاز مخالفته.. وأما من لم يبلغه الأمر عن النبي r فليس كافرًا باعتقاده أي شيء اعتقده..".137

ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك بقوله:"أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية".138

وكذا ينبغي قبل الحكم بكفر المعين الجزم بانتفاء الموانع التي قد يرحمه الله ببعضها، وهي كثيرة، منها: توبة العبد التي ترفع الوعيد باتفاق المسلمين لورودها في صريح القرآن، وكذا قد يرفع الوعيد بشفاعة من قبِلَ الله شفاعته خلافًا للمعتزلة الذين ينكرونها، وسوى ذلك من الأعذار التي يقبلها الله، فيقيل بها العثرات (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ) ).139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت