ومرة أخرى نرى أن جمع النصوص إلى بعضها يبين حقائق معانيها ويزيل الشبهة عما يلتبس من معانيها، فإن الذي حكم بالنار لبعض أصحاب المعاصي - هو نفسه تبارك وتعالى - فتح لهم باب الرجاء في رحمته، ووعد التائبين منهم بالحسنى وزيادة ، بل قد تسبق رحمته إلى ذلك العبد، فيكون في رحمته من غير توبة منه، بل بشفاعة الشافعين وجُودِ أرحم الراحمين.
ثالثًا: النصوص التي أسقطت عن العاصي اسم الإيمان
ومما تعلق به المسارعون إلى التكفير أن النصوص الشرعية رفعت عن بعض أصحاب المعاصي اسم الإيمان، فاستلزم ذلك وصفهم بالكفر، لأن الكفر والإيمان نقيضان، حيث رفع الأول ثبت الآخر.
من هذه النصوص قوله e: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) ).117 وفي رواية: (( إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، وكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان ) ).118
ومثله قوله e: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ).119
فالزنا وعدم محبة الخير للمؤمن يناقضان الإيمان، حسب ظاهر النص، وعليه قاسوا غيرها من المعاصي، فصار مرتكب المعصية عندهم كافرًا، لأنه ليس مؤمنًا بنص وظاهر قول النبي r.
لكن المحققين من أهل السنة والجماعة ردوا هذا الفهم الظاهري الضعيف للنصوص بدلالة نصوص أخرى جمعوها إليها، وخلصوا منها إلى فهم يُعمِل جميع النصوص ولا يهملها، ولا يضرب بعضها ببعض.
فلئن وصف الزاني بعدم الإيمان فإن النبي r لم يرفع عنه أصل الإيمان، لأنه شهد بإمكانه دخول الجنة، ففي حديث أبي ذر أن النبي r قال: (( ما من عبد قال: لا إله إلا الله. ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر ) ).120
قال ابن حجر:"وفي الحديث أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، وأن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان، وأن غير الموحدين لا يدخلون الجنة، والحكمة في الاقتصار على الزنا والسرقة الإشارة إلى حق الله تعالى وحق العباد، وكأن أبا ذر استحضر قوله r: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) )لأن ظاهره معارض لظاهر هذا الخبر."
لكن الجمع بينهما على قواعد أهل السنة، بحمل هذا على الإيمان الكامل، وبحمل حديث الباب على عدم التخليد في النار".121"
قال النووي:"فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، ويراد نفي كماله ومختاره، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة".122
وقال ابن تيمية:"قوله e: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) )فنفي عنه الإيمان الواجب الذي يستحق به الجنة، ولا يستلزم ذلك نفي أصل الإيمان وسائر أجزائه وشعبه، وهذا معنى قولهم: نفي كمال الإيمان لا حقيقته، أي الكمال الواجب، ليس هو الكمال المستحب..".123
قال أبو عبيد بن سلام:"إن الذي عندنا في هذا الباب كله أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانًا، ولا توجب كفرًا، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله واشترطه عليهم".124
ومما يدلل صحة هذا الفهم أن الله شرع الرجم والجلد للزاني، ولو كان كافرًا لكان حكمه الاستتابة ثم القتل، يقول ابن تيمية:"ويقال للخوارج: الذي نفى عن السارق والزاني والشارب وغيرهم الإيمان، هو لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام، بل عاقب هذا بالجلد، وهذا بالقطع، ولم يقتل أحدًا إلا الزاني المحصن، ولم يقتله قتل المرتد، فإن المرتد يقتل بالسيف بعد الاستتابة، وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة."
فدل ذلك على أنه وإن نفى عنهم الإيمان، فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم، وليسوا كالمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنب ظاهر".125"
وقال المروزي رحمه الله:"معنى ذلك كله أن من فعل تلك الأفعال لا يكون مؤمنًا مستكمل الإيمان، لأنه قد ترك بعض الإيمان، نفى عنه الإيمان، يريد به الإيمان الكامل.. وإقامة الحدود عليه دليل على أن الإيمان لم يزل كله عنه، ولا اسمه، ولولا ذلك لوجب استتابته، وقتله، وسقطت عنه الحدود".126
واستدل ابن عبد البر لصحة هذا التأويل بإجماع العلماء على التوارث مع الزاني:"يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر - إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام - من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال، وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم، أوضح الدلائل على صحة قولنا: أن مرتكب الكبيرة ناقص الإيمان بفعله ذلك، وليس بكافر كما زعمت الخوارج". 127
أما النووي، فإنه ينقل الإجماع على عدم كفر الزاني، وبه يستدل على صحة التأويل لألفاظ نفي الإيمان، فيقول:"وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: (( من قال: لا إله إلا الله. دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق ) )، وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه r على أن لا يسرقوا ولا يزنوا، ولا يعصوا...."
فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح، مع قول الله عز وجل: ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[ (النساء: 48) ، مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك، لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان.. وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة".128"