وكذا قوله e: (( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ) ). 107
وأمثال هذا كثير في السنة، ففهم منه من أخطأ الفهم أن أصحاب المعاصي سيدخلون النار ويخلدون فيها، لأن الجنة عليهم حرام.
لكن منهج أهل السنة والجماعة في فهم النصوص يقوم على جمعها والنظر فيها للخروج منها بفهم يوفق بينها، ويُعملها جميعًا ولا يهملها، إذ هذه النصوص يصدق بعضها بعضًا، بينما يكثر في مناهج أهل البدع ضرب النصوص بعضها ببعض، فتتعطل دلالاتها، ويأخذون منها ويذرون حسب أهوائهم.
فالنصوص السابقة لا يمكن حملها على إطلاقها، لورود نصوص أخرى تفيد بتحريم النار والحكم بالجنة لكل من شهد شهادة التوحيد، منها قوله e: (( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار ) ).108 وقوله e: (( من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل ) ).109 وأمثالهما.
قال أبو سليمان الخطابي مبينًا منهج أهل السنة في فهم النصوص والجمع بينها:"القرآن كله بمنزلة الكلمة الواحدة، وما تقدم نزوله وما تأخر في وجوب العمل به سواء، ما لم يقع بين الأول والآخر منافاة، ولو جمع بين قوله: ]ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [ (النساء: 48) ، وبين قوله: ] ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها [ (النساء: 93) وألحق به قوله: ] لمن يشاء[ لم يكن متناقضًا، فشرط المشيئة قائم في الذنوب كلها ما عدا الشرك."
وأيضًا فإن قوله: ] فجزاؤه جهنم[ يحتمل أن يكون معناه: فجزاؤه جهنم إن جازاه الله ولم يعف عنه، فالآية الأولى خبر لا يقع فيه الخُلْف، والآية الأخرى وعد يرجى فيه العفو".110"
ويقول الطبري في سياق حديثه عن قاتل النفس المتوعد بالخلود في النار:"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه - إن جزاه - جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو أو يتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه - عز ذكره - إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها، ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: ]قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا[ (الزمر: 53) " . 111
وأيضًا منعًا للتعارض تأول العلماء نصوص تحريم الجنة على العصاة بتأويلات، يقول النووي في سياق شرحه لحديث تحريم الجنة على مؤذ جيرانه:"ففيه جوابان: أحدهما: أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بتحريمه، فهذا كافر لا يدخلها أصلًا، والثاني: معناه: جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم، بل يؤخر، ثم قد يجازى، وقد يعفى عنه، فيدخلها أولًا". 112
إذًا يمكننا أن نقول: إن العاصي المتوعد بحرمانه الجنة لا يدخل الجنة ابتداء، والجنة عليه حرام ابتداء، لكنه غير محجوب عنها بالكلية، ونحو ذلك.
وفي المقابل فإن من شهد بالشهادتين ولم ينقضهما كتب الله له الأمان من الخلود في النار، لكن دخولها ابتداء ممكن لأهل الكبائر، وهو متعلق بمشيئة الله، إن شاء أدخله النار بعدله قبل أن يدخله الجنة، وإن شاء تجاوز عنه وعفا برحمته.
وهذا المنهج الوسط لأهل السنة وسط بين إفراط الوعيدية من الخوارج الذين يحكمون بحرمان أصحاب المعاصي من الجنة، ويرون المعصية تخرج من الدين وتُوجب لصاحبها النار، وبين تفريط المرجئة الذين يرون أن الإيمان لا تضره المعصية، ولا تقدح فيه ولا تؤثر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان معنى حديث تحريم الجنة على من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر:"قوله: (( لا يدخل الجنة ) )متضمن لكونه ليس من أهلها ولا مستحقًا لها، لكن إن تاب أو كانت له حسنات ماحية لذنبه، أو ابتلاه الله بمصائب كفَّر بها خطاياه ونحو ذلك، زال ثمرة هذا الكبر المانع له من الجنة، فيدخلها، أو غفر الله له بفضل رحمته من ذلك الكبر من نفسه، فلا يدخلها ومعه شيء من الكبر."
ولهذا قال من قال في هذا الحديث وغيره: إن المنفي هو الدخول المطلق الذي لا يكون معه عذاب، لا الدخول المقيد الذي يحصل لمن دخل النار ثم دخل الجنة... فإذا تبين هذا كان معناه: أن من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ليس هو من أهل الجنة ولا يدخلها بلا عذاب، بل هو مستحق للعذاب لكبره، كما يستحقها غيره من أهل الكبائر، ولكن قد يعذب في النار ما شاء الله، فإنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد، وهذا كقوله: (( لا يدخل الجنة قاطع رحم ) ).113 وأمثال هذا من أحاديث الوعيد..
فالرجل الذي معه شيء من الإيمان وله كبائر قد يدخل النار، ثم يخرج منها إما بشفاعة النبي وإما بغير ذلك كما قال r: (( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) ).114 وكما في الصحيح أنه r قال: (( أخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ) )".115"
وهكذا الوعيد في قاتل النفس والزاني وشارب الخمر وآكل مال اليتيم وشاهد الزور وغير هؤلاء من أهل الكبائر، فإن هؤلاء وإن لم يكونوا كفارًا، لكنهم ليسوا من المستحقين للجنة الموعودين بها بلا عقاب، ومذهب أهل السنة والجماعة أن فساق أهل الملة ليسوا مخلدين في النار كما قالت الخوارج والمعتزلة، وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة، بل لهم حسنات وسيئات، يستحقون بهذا العقاب، وبهذا الثواب".116"