فهرس الكتاب

الصفحة 673 من 738

ثالثًا: والنصوص التي احتج بها المكفرون بالذنوب معارضة معانيها الظاهرة بجملة من الحقائق، منها:

* النصوص التي شهدت بالإيمان للموحدين وإن ارتكبوا المعاصي، فإن ذلك لا يخرجهم عن الإيمان، بل يضعهم تحت المشيئة الإلهية، ولو كفروا لاستحقوا النار، يقول الله: ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[ (النساء: 48) ، فكل المعاصي المذكورة في الأحاديث المشكلة هي دون الشرك بالله، وهي تحت المشيئة، ففاعلها إذًا ليس بكافر، وعليه فمعناها الظاهر غير مراد.

ولو كان الظاهر لازمًا على كل حال للزم رجم أو جلد المتعطرة المستشرفة على الناس لوصف رسول الله r لها بأنها زانية 92، ومثله قوله r: (( المستبّان شيطانان، يتهاتران، ويتكاذبان ) ).93، إذ لا يصح أن يعتبر المتسابان من ذرية إبليس، كما يفهم من ظاهر اللفظ.

-ومثله أحاديث كثيرة شهدت بالإسلام لمن قال لا إله إلا الله مخلصًا بها قلبه، منها قوله e: (( ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: وإن زنى، وإن سرق. قلت: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: وإن زنى، وإن سرق. قلت: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: وإن زنى، وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر ) ).94

إن الله ونبيه e شهدا لأصحاب هذه المعاصي بالإسلام، فالقاتل لأخيه المسلم سماه القرآن أخًا للمقتول، في قوله: ] فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسانٍ [ (البقرة: 178) ، وكذا اعتبر الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين فقال: ] وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا[ (الحجرات: 9) .

وعليه فقوله r: (( لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) )95 ، وقوله (( سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ) ).96 على غير ظاهره، وينصرف فيه لفظ الكفر إلى الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.

ومثله في قوله e عن آتي الكاهن او العراف غير المصدق له: (( من أتى عرافًا فسأله عن شيء ، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا ) )97، فهو يفيد إسلام من أتى العراف - غير المصدق له -، بدليل قبول صلواته بعد الأربعين يومًا، ويحمل حديث تكفير آتي الكاهن على الكفر الأصغر جمعًا بين الحديثين.

قال المناوي في شرح هذا الحديث:"تمسك به الخوارج على أصولهم الفاسدة في التكفير بالذنوب، ومذهب أهل السنة أنه لا يكفر، فمعناه قد كفر النعمة أي سترها، فإن اعتقد صدقه [أي الكاهن أو العرّاف] في دعواه الاطلاع على الغيب كفر حقيقة" .98

كما أمر الله بإقامة الحدود على القاتل وغيره من أصحاب الذنوب، كل بقدره، وهو شهادة لأهلها بالإسلام، ولو كان الزاني قد خرج من الإسلام بزناه لقتل حدًا على كل حال.

رابعًا: كما صرف العلماء هذه النصوص إلى أن المراد فيها التغليظ أي أنها من جنس أفعال الكفار أو أريد منها أن استحلال هذه الذنوب هو من الكفر الأكبر، لا أن مجرد ارتكابها منه.

قال أبو عبيد بن سلام:"وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفرًا ولا شركًا يزيلان الإيمان عن صاحبه، وإنما وجوهها: أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون".99

قال المباركفوري:"قوله: (( من أتى حائضًا أو امرأةً في دبرها أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمّدٍ ) ). الظّاهر أنّه محمول على التّغليظ والتّشديد كما قاله التّرمذيّ، وقيل: إن كان المراد الإتيان باستحلالٍ وتصديقٍ فالكفر محمول على ظاهره، وإن كان بدونهما فهو على كفران النّعمة". 100

قال ابن القيم:"والقصد: أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر، فإنها ضد الشكر، الذي هو العمل بالطاعة، فالسعي إما شكر وإما كفر، وإما ثالث لا من هذا ولا من هذا".101

وعن كفر من ادعى لغير أبيه قال النووي:"فيه تأويلان: أحدهما أنّه في حقّ المستحلّ. والثّاني: أنّه كفر النّعمة والإحسان وحقّ اللّه تعالى , وحقّ أبيه , وليس المراد الكفر الّذي يخرجه من ملّة الإسلام. وهذا كما قال e (( يكفرن ) )102, ثمّ فسّره e بكفرانهنّ الإحسان وكفران العشير".103

قال الحافظ ابن حجر:"وقد ورد الكفر في الشرع بمعنى جحد النعم، وترك شكر المنعم، والقيام بحقه". 104

إذًا الجهل بدلالة لفظ الكفر في الشرع أوقع الغلاة في تكفير المسلمين لإتيانهم بعض المعاصي التي وسم الله فاعلها بالكفر، أي الكفر الأصغر ، وجمع النصوص إلى بعضها كفيل برفع شبهة المكفِّرين لكل من أطلق عليه الشرع كلمة الكفر ، إذ المفهوم الخاطئ لهذا الإطلاق يجعل نصوص الشرع متعارضة متناقضة، والحق أن النصوص الشرعية يصدق بعضها بعضًا ، والواجب جمع النصوص بعضها إلى بعض، وإعمالها جميعًا بمزيد من التبصر في دلالات ألفاظها ومآلات عباراتها.

ثانيًا: النصوص التي صرحت باستحقاق العاصي للنار أو حرمت عليه الجنة

ويحتج أهل التكفير بالمعاصي بآيات القرآن في مواضع متعددة من كتاب الله، شهد فيها أن معصية الله ورسوله تُدخل النار وتكتب للعاصي الخلود فيها كقوله تعالى: ]ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين النساء [ (النساء: 14) ، وقوله تعالى: ] ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدًا [ ( الجن: 23) . وقوله تعالى: ] بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [ (البقرة: 81) ، ونحوه قوله تعالى عن القاتل: ] ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا [ ( النساء: 93) .

وكذا جاء في السنة مثل ذلك، فحكم النبي e بتحريم الجنة أو الحكم بالنار لبعض أصحاب المعاصي، ومنه قوله e: (( من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم ، فالجنة عليه حرام ) )105، ونحوه قوله e: (( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ).106

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت