فهرس الكتاب

الصفحة 672 من 738

وهكذا مع فساد الزمان وتلاحق الأيام يتحقق في المسلمين ما أخبر به النبي e حين قال: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ) ).80

وصدق الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وهو يحذر من هؤلاء الأغرار:"ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسقٍ بين فسقه، ولكني أخاف عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله".81

5-والمتأمل لظاهرة الافتراق لا يغيب عن ناظريه أثر الغلو في ظهور الغلو المقابل، فالخوارج كانوا سببًا في ظهور المرجئة، وأخطاء الجبرية أدت إلى تنامي تيار القدرية، وهذا ما ينطبق على عموم الفرق الإسلامية.

إذ جنوح البعض إفراطًا أو تفريطًا يؤدي إلى تيار عكسي قد يجنح إلى الحقيقة فيقف عندها، وقد يفارقها إلى الطرف الآخر.

لذا كان من أهم الأسباب التي غذّت فكر التكفير في واقعنا المعاصر ما نلقاه من توقف الكثيرين عن تكفير من لا يسع مسلمًا إلا تكفيره، إذ وصل الأمر ببعضهم إلى التوقف في إطلاق الكفر على اليهود والنصارى الذين تكاثرت الآيات على تكفيرهم وخلودهم بالنار، فمثل هذا التفريط يمهد الطريق لظهور المخالف الذي يكفر النصارى ومن وافقهم في أعيادهم ومناسباتهم، إلى غير ذلك من الصور.

فمثل هذه الصور يوجد النقيض، وهو المبالغة في التكفير، وشهره سيفًا على المخالفين.

6-انتشار هذه الظاهرة بين من عرف صلاحه واستقامة سلوكه سبب آخر يغرر بالكثيرين من الذين يعرفون الحق بالرجال، لا الدليل، فيغتر الناس بصلاح هؤلاء، على قلة علمهم، فيرددون ما قالوا من تكفير المسلمين واستباحة دمائهم إحسانًا للظن بهم وبحسن عبادتهم، وقد حذر رسول الله e من أمثالهم الذين (( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) ).82

ورغم صلاح الخوارج وحسن تدينهم فإن بعض أهل العلم لم يتردد في تكفيرهم، وإن توقف الجمهور فيه، لكنهم - على كل حال - اتفقوا على ضلالهم وشناعة قولهم، يقول علي رضي الله عنه: (قوم أصابتهم فتنة، فعموا وصموا) .83

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: (هم شرار الخلق) , وقال: (انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين) .84

فهذه جملة ما يوقع الناس في التكفير وما يؤدي إلى انتشار وبائه، والعاقل إذا عرف الداء أصاب الدواء، وتوخى موارد الزلل والهلاك بمزيد من الوقاية والحذر، حيطة لدينه وطلبًا لسلامة آخرته.

التكفير والفهم الخاطئ للنصوص الشرعية

لعل من أهم ما أوقع بعض المسلمين في فتنة التكفير الفهم الخاطئ لبعض النصوص الشرعية، والجهل بدلالاتها الصحيحة، إذ رأى هؤلاء أن النصوص الشرعية وصفت بعض أصحاب العاصي بالكفر، أو نفت عنهم اسم الإيمان، أو أخبرت باستحقاقهم الخلود في النار، ففهم هؤلاء أنها تشهد على أصحابها بالكفر، وأن هذا الكفر هو الكفر الأكبر المخرج من الملة، فكفَّروا بفهمهم المغلوط عموم المسلمين.

أولًا:النصوص التي صرحت بكفر العاصي

جاء في السنة النبوية وصف الكثير من المعاصي بالكفر، ففهم منه بعض أهل البدع وغيرهم من أهل الجهل تكفير أصحاب هذه الذنوب وتلك المعاصي، إذ لم يروا القرآن إلا متحدثًا عن الكفر الأكبر، فقاسوا ما في السنة عليه.

ومن هذه الأحاديث قول النبي r: (( اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت ) ). 85

وقوله e: (( إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما ) ).86

وقوله e: (( أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر، حتى يرجع إليهم ) ).87

وقوله e: (( ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه، إلا كفر ) ). 88

ومثله ذم النبي r اقتتال المسلمين: (( سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ) ). 89

قال الشوكاني وهو يعرض حجة من يفهم كفر أصحاب هذه الذنوب:"فإن قلت: قد ورد في السنة ما يدل على كفر من حلف بغير ملة الإسلام، وورد في السنة المطهرة ما يدل على كفر من كفر مسلمًا، كما تقدم وورد في السنة المطهرة إطلاق الكفر على من فعل فعلًا يخالف الشرع... وكل ذلك يفيد أن صدور شيء من هذه الأمور يوجب الكفر، وإن لم يرد قائله أو فاعله الخروج من الإسلام إلى ملة الكفر". 90

وقد بين أهل العلم أصولًا ينبغي أن يرجع إليها في فهم هذه النصوص:

أولًا: أن ما ورد في السنة من نصوص أطلقت الكفر على أصحاب بعض المعاصي لا يقاس على ما ورد في القرآن الكريم في مثل هذه الإطلاقات، إذ من عادة القرآن أن يطلق وصف الإيمان على أكمل المؤمنين صفات، وكذا أطلق الكفر على أقبح الكافرين فعالًا، فوصفه بالكفر لا يحتمل إلا الكفر الأكبر.

وعليه فقد تقرر عند العلماء التفريق بين إطلاقات الكفر في القرآن وتلك التي في السنة النبوية، يقول الشاطبي:"فكان القرآن آتيًا بالغايات تنصيصًا عليها، من حيث كان الحال والوقت يقتضي ذلك، ومنبهًا بها على ما هو دائر بين الطرفين.. فإنما أتى بهما في عبارات مطلقة تصدق على القليل يدل المساق على أن المراد أقصى المحمود أو المذموم في ذلك الإطلاق".91

ثانيًا: صحيح أن الأصل في النصوص إجراؤها على ظواهرها، لكن التأويل محتمل في حقها، ويصار إليه منعًا للتعارض، الذي هو قرينة على أن أحد المعنيين غير مراد من النص.

يقول الشاطبي:"والقاعدة في ذلك أن اللفظ يؤخذ على ظاهره ما لم تصرفه قرينة، فإن وجدت قرينة تدل على صرف لفظ الكفر في الحديث عن معناه الأصلي، وهو الكفر الأكبر، أمكن المصير إلى أنه كفر أصغر لثبوت إمكان ذلك في السّنّة الشريفة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت