5 -وتسمَّى بالرُّقْيَةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال عنها: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» . لحديث أبي سعيدٍ في الصَّحِيحِ حِينَ رقى بها الرَّجُلُ السَّليِمُ، فقال له رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟» .
هذا الحَدِيثُ لَهُ قِصَّةٌ، وهي: أَنَّ الصَّحَابَةَ استضافوا بَعْضَ العرب، فَلَمْ يُضَيِّفُوهُمْ، فلمَّا ذَهَبُوا عنهم، لُدِغَ سَيِّدُهُمْ، فالتَمَسُوا له الأَطِبَّاءَ، فَلَمْ يُفِدْ في شَيْءٍ، ثمَّ جَاءُوا إلى الصَّحَابَةِ وقالوا: إِنَّ سيِّدَنا لُدِغَ، وقد عَمِلْنَا له كلَّ الأسباب، فلم يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ، فهل عندكم مِنْ رَاقٍ؟
فقال بعضُ الصَّحَابَةِ: «نَعَمْ. أَنَا أَرْقِي، ولكن لا أرقيه إلاَّ بِجُعْلٍ، فقد استضفناكم فلم تضيِّفونا، فاتَّفقوا معه على ثلاثين رأسًا مِنَ الغَنَمِ، فجاء رَجُلٌ من الصَّحابة لم يكن معروفًا بحفظ القرآن، فأخذ العُضْوَ الَّذي فيه اللَّدْغَةُ وجعل يقرأ عليه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] ، وَيَتْفُلُ ويردِّدها حتَّى خرج السُّمُّ.
فقال الصَّحَابَةُ: فكأنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فاستاقوا الثَّلاثينَ رَأْسًا مِنَ الغَنَمِ، ثمَّ تحرَّجوا وقالوا: كيف نأخذها ولم نسأل النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم؟
فَسَأَلُوا النَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟! خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ مِنْهَا بِسَهْمٍ» رواه البخاري. تَطْيِيبًا لخواطرهم، وسمِّي اللَّديغُ سَلِيمًا؛ تَفَاؤُلًا له بالسَّلامة.
6 -وسُمِّيت الفاتحةُ بالشِّفاء، وَيُقَالُ لها: الشِّفَاءُ؛ لاشتمالهاعلى الشِّفَاءَيْنِ؛ شِفَاءِ القلوب، وَشِفَاءِ الأَبْدَانِ، فَحَقَّأَنْ يُسْتَشْفَى بها مِنْ كُلِّ دَاءٍ؛ لِمَا رواه الدَّارِمِيُّ عن أبي سَعِيدٍ مرفوعًا: «فَاتِحَةُ الكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُمٍّ» .
وَمَنْ سَاعَدَهُ التَّوْفِيقُ، وأُعِينَ بِيَقِينٍ، ففوَّض إلى من له الأَمْرُ كُلُّهُ، وله الحَمْدُ كلُّه، وبيده الخير كلُّه، وإليه يُرْجَعُ الأَمْرُ كلُّه، أَغْنَتْهُ هذه السُّورَةُعن كثيرٍ من الأَدْوِيَةِ والرُّقى.
7 -وتسمَّى بالكافية؛ لأنَّها تَكْفِي عن غيرها، وغيرُها لا يكفي عنها.
8 -أعظمُ سورةٍ في القرآن. عن أبي سعيدِ بنِ المعلَّى - رضي الله عنه - قال: «كُنْتُ أصلِّي، فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فَلَمْ أُجِبْهُ حتَّى صَلَّيْتُ» .
قال: «فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي؟» قال: قلتُ: يا رسولَ الله إنِّي كُنْتُ أصلِّي. قال: «أَلَمْ يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24] » ، ثمَّ قال: «لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآَنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ» .
قال: فَأَخَذَ بيدي، فلمَّا أراد أن يخرج من المسجد، قلتُ: يا رسولَ الله! إنَّك قُلْتَ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآَنِ.
قال: «نَعَمْ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآَنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» رواه البخاري. هذا صَرِيحٌ في أنَّ الفَاتِحَةَ أَعْظَمُ سُورَةٍ في القرآن، وَأَعْظَمُ آَيَةٍ هي آيةُ الكُرْسِيِّ.
9 -أعظم سورةٍ نزلت في التَّوْرَاةِ والإنجيل والقرآن؛ فعند مالكٍ في «الموطَّأ» : أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - نادى أُبَيَّ بْنِ كَعْبٍ وهو يصلِّي، فلمَّا فَرَغَ من صلاته، لَحِقَهُ، فَوَضَعَ رَسُولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَدَهُ على يَدِهِ وهو يريد أن يخرج من باب المسجد، فقال: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجِيلِ وَلَا فِي القُرْآَنِ مِثْلَهَا» .
قال أُبَيٌّ: فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ في المَشْيِ؛ رَجَاءَ ذَلِكَ، ثمَّ قلتُ يا رسولَ الله السُّورَةُ الَّتي وعدتَني.