ففي الحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . رواه ابنُ مَاجَةَ.
{رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «أي: لا تكلِّفنا من الأعمال الشَّاقَّةِ وإن أَطَقْنَاهَا، كما شَرَعْتَهُ للأمم الماضية» .
فسألوا التَّخْفِيفَ في الأمر والنَّهْيِ والتَّكْلِيفِ، فطلبوا التَّخْفِيفَ في النَّوْعَيْنِ.
وفي الحديث: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» رواه أحمد و الهيثمي.
قال ابنُ القيِّم: «جَمَعَ بَيْنَ كونها حنيفيَّةً وكونها سَمْحَةً؛ فهي حنيفيَّةٌ في التَّوحيد، سَمْحَةٌ في الأخلاق، وضدُّ الأمرين: الشِّرْكُ، وتحريمُ الحلال» .
{رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} وهنا سألوا التَّخْفِيفَ في القضاء والقَدَرِ والمَصَائِبِ.
وقد ثَبَتَ في «صحيح مسلمٍ» عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «قَالَ اللهُ: نَعَمْ» .
قوله: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ} ثمَّ سَأَلُوهُ العَفْوَ والمغفرة والرَّحمة والنَّصْرَ على الأعداء؛ فإنَّ بهذه الأربعة تتمُّ لهم النِّعْمَةُ المُطْلَقَةُ، ولا يَصْفُو عَيْشٌ في الدُّنيا والآخرة إلاَّ بها.
ولهذا قالوا: إنَّ المُذْنِبَ مُحْتَاجٌ إلى ثلاثة أشياء: أَنْ يَعْفُوَ اللهُ عَنْهُ فيما بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وأن يَسْتُرَهُ عن عباده، فلا يَفْضَحَهُ به بينهم، وأن يَعْصِمَهُ فلا يُوقِعَهُ في ذَنْبٍآَخَرَ.
فالعَفْوُ مُتَضَمِّنٌ لإسقاط حَقِّهِ في تقصيرِهم في طاعته، والمَغْفِرَةُ متضمِّنةٌ مغفرةَ ما اقترفوه من معاصٍ، والرَّحْمَةُ متضمِّنَةٌ لِتَرْكِ المعاصي في المستقبل.
فالثَّلاثةُ تتضمَّن النَّجَاةَ من الشَّرِّ، والفَوْزَ بالخَيْرِ.
{أَنْتَ مَوْلَانَا} اعترافهم أنَّه مولاهم الحَقُّ الَّذي لا مَوْلَى لهم سِوَاهُ؛ فهو ناصرُهم، وهاديهم، وكافيهم، ومعينُهم، ومجيبُ دعواتهم، ومعبودُهم.
{فَانصُرْنَاعَلَاالْقَوْمِالْكَافِرِينَ} أَيِ: اجْعَلْ لنا العَاقِبَةَ عليهم في الدُّنيا والآخرة.
والنَّصْرُ يتضمَّن التَّمْكِينَ؛ مِنْ إِعْلانِ عبادته، وإظهار دِينِهِ، وإعلاء كلمته، وَقَهْرِ أعدائه.
فلمَّا تَحَقَّقَتْ قلوبُهم بهذه المَعَارِفِ، وانقادَتْ وذَلَّتْ لعزَّةِ رَبِّهَا ومولاها، أعطوا كلَّ ما سألوه من ذلك؛ فلم يسألوا شيئًا منه إلاَّ قال اللهُ تعالى: {قد فعلتُ} .
كما ثَبَتَ في «الصَّحِيحِ» عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
انْتَهَى تفسيرُ خواتيم سورة البقرة، فللَّه الحَمْدُ والمِنَّةُ.