والدواب البكماء، ولو استثيرت هذه الدواب في بعض ما فيه معاشها لهبَّت ونهضت واستنهضت، فلا نامت أعين الجبناء ...
ولئن كان مصابنا في سبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مصابًا عظيمًا، فإن الفاجعة تزداد ألمًا وسوءًا عندما نرى ممن ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاهلًا بحق النبي صلى الله عليه وسلم، تاركًا لسنته التي شرعها الله تعالى وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاقبة أمثال هؤلاء المجرمين، فإذا به لما جهل خطاب الشرع أو تجاهل عنه يلجأ إلى ما تمليه العقول والأفكار وينضبط بضوابط الأعراف و"البروتوكولات"؛ يغضب لكن بمقدار، ويُنكر لكن بعد إذن، ويزمجر ولكن بصمت، ويستنصر ولكن بأعداء الله، يدعو على الشاتم ولكن بعد موافقة ولي الأمر، ويتبرأ لكن ممن يريد حق الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدَق الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه حين قال:"إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأى فضلوا وأضلوا" [1] ، وكما نبَّه رضي الله عنه على الداء فلقد نبَّه على الدواء فقال:"سيأتي أناسٌ سيجادلونكم بشبهات القرآن خذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله" [2] ، نعم أصحاب السنن، سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام الراضين المرضيين هم أعلم بكتاب الله وبحكم الله، ولمَّا لم يكن سبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم جريمةً مبتدعة اليوم بل كانت جريمةً قديمةً قِدم الرسالة والبعثة، فتارة رموه بالسحر وتارة بالجنون، وتارة نظموا في هجائه الشعر، وتارة حثُّوا القيان على التغني بسبِّه، فلا بد وأن يكون الوحي قد نطق بحكم هؤلاء قرآنًا وسنةً، والأمر كذلك، فكان لا بد من المصير إلى حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في هؤلاء، إذ لا يخفى أن صدرونا لم تشفَ وغيظ قلوبنا لم يذهب بتلك البيانات الهزيلة والاستنكارات الخافتة، والدعوات الغريبة لإقامة مؤتمرات التقارب وغير ذلك من الترَّهات، لم يذهب شيءٌ من ذلك بما في قلوبنا من غيظٍ وكمدٍ تجاه أولئك المجرمين، ولن يذهب غيظ قلوبنا حتى نرى حكم الله تعالى فيهم نافذًا إنه خير مأمول وأكرم مسؤول.
ثم إني قرأت كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي المتوفى عام 544 هجرية، وهو كتاب نافع ماتع جمع فيه مؤلفه عليه رحمة الله الواسعة فصولًا نفيسة شاملة لحقوق النبي صلى الله عليه وسلم وما يجب علينا تجاهه في حياته وبعد مماته، مع بيان حكم من تجرأ بسبه وشتمه، كما طالعت كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول [3] لشيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة 728 هجرية رحمه الله برحمته الواسعة، فوجدته سِفرًا نفيسًا لم يُسبق إليه ولم يُكتب على شاكلته، انتصب فيه رحمه الله للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان حكم الله تعالى فيمن سبَّه حيث حصل ذلك في حياته رحمه الله، وكان مما قال في مقدمته:"أما بعد، فإن الله تعالى هدانا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وآتانا ببركة رسالته ويُمن سِفارته خير الدنيا والآخرة، وكان مِن ربه بالمنزلة العليا التي تقاصرت العقول والألسنة عن معرفتها ونعتها، وصارت غايتها من ذلك بعد التناهي في العلم والبيان الرجوع إلى عيِّها وصمتِها، فاقتضاني لحادثٍ حدث أدنى ما له من الحق علينا بله ما أوجب الله من تعزيزه ونصره بكل"
(1) اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - 1/ 123
(2) اعتقاد أهل السنة - 1/ 123
(3) وقد قام فضيلة الدكتور صلاح الصاوي حفظه الله بتقريب الكتاب بعنوان (تقريب الصارم المسلول) فرتب أبوابه وفصوله فجاء مفيدًا لمن أراد الإطلاع على الكتاب الأصلي، فجزاه الله خير الجزاء، ولقد استفدت منه كثيرًا.