وليس ذلك بالأمر الغريب ، فزوجات النبي صلى الله عليه وسلم من أكثر الناس صحبة له ومعرفة بأموره وسيرته عليه الصلاة والسلام ، وتزوجهن كبارا ، وتأخرت وفاتهن ، وليس لهن في كتب السنة سوى القليل من الأحاديث ، فجويرية (5) خمس روايات ، وحفصة (24) ، ورملة (أم حبيبة) (21) ، وزينب بنت جحش (6) ، وسودة بنت زمعة (3) ، وصفية بنت حيي (7) ، وميمونة بنت الحارث (36) ، وأم سلمة (هند بنت أبي أمية) (174) ، أي أن مجموع مرويات أمهات المؤمنين مجتمعة - عدا عائشة رضي الله عنها - تبلغ (276) ، على نحو النصف من روايات واحد من آل البيت الكرام ، كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه .
ولا يمكن لأحد أن يدعي في تفسير هذه الظاهرة تأثير الأسباب السياسية أو القبلية ، ومن ظن ذلك فقد خالف مقتضى العقل السليم ، بل إن الأمر يعود - كما قلنا - إلى التخصص الذي ييسره الله عز وجل في كل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فمنهم من شأنه الجهاد ، ومنهم شأنه ولاية أمور المؤمنين ، وآخر حياته في العبادة والنسك ، ورابع وقته في العمل ، وآخر يتولى الولاية التي تشغله عن التفرغ للتحديث ، وهكذا في أسباب كثيرة يمكن التأمل بها في سير الصحابة الكرام ، وقد نص على أحدها الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه حيث يقول: ( مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ ) رواه البخاري (113) ، فأثبت هنا ( الكتابة ) سببا مهما من أسباب وجود الفوارق بين الصحابة الكرام في عدد المرويات .
ولقد أشار أبو هريرة رضي الله عنه بنفسه إلى دفع شيء من هذه الشبهات ، وبيان أحد الأسباب المهمة في تفاوت الناس في الرواية: شغل راو ، وفراغ آخر: