وأمَّا قولُ زكريا عليه السّلام: ( ولم أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ) مريم/4 ، فقد قيل: إنَّه دعاءُ لسّمع الخاص ، وهو سمعُ الإجابة والقبول ، لا السّمع العام ؛ لأنَّه سميعٌ لكل مسموعٍ ، وإذا كان كذلك ؛ فالدُّعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة ، والمعنى: أنَّك عودتَّني إجابتَك ، ولم تشقني بالرد والحرمان ، فهو توسلٌ إليه سبحانه وتعالى بما سلف من إجابته وإحسانه ، وهذا ظاهرٌ ههنا .
وأمَّا قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) الآية ، الإسراء/110 ؛ فهذا الدُّعاء: المشهور أنَّه دعاءُ المسألة ، وهو سببُ النّزول ، قالوا: كان النّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يدعو ربه فيقول مرَّةً: يا الله . ومرَّةً: يا رحمن . فظنَّ المشركون أنَّه يدعو إلهين ، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ .
وأمَّا قوله: ( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) الطّور/28 ، فهذا دعاءُ العبادة المتضمن للسؤال رغبةً ورهبةً ، والمعنى: إنَّا كنَّا نخلص له العبادة ؛ وبهذا استحقُّوا أنْ وقاهم الله عذابَ السّموم ، لا بمجرد السّؤال المشترك بين النّاجي وغيره: فإنّه سبحانه يسأله من في السّموات والأرض ، (لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا) الكهف/14 ، أي: لن نعبد غيره ، وكذا قوله: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) الآية ، الصّافات/125 .
وأمَّا قوله: (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ) القصص/64 ، فهذا دعاءُ المسألة ، يبكتهم الله ويخزيهم يوم القيامة بآرائهم ؛ أنَّ شركاءَهم لا يستجيبون لهم دعوتَهم ، وليس المراد: اعبدوهم ، وهو نظير قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَقولُ نَادُوا شُرَكائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فلمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) الكهف/52"انتهى ."
"مجموع فتاوى ابن تيمية" (15/10-14) باختصار . وانظر أمثلة أخرى في"بدائع الفوائد"لابن القيم (3/513-527) .
والله أعلم .