قد قال اللّه تعالى: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} القصص: 77، لا تترك نصيبك في الدنيا من الدنيا للآخرة، لأنك من ههنا تكتسب الحسنات فتكون هناك في مقام المحسنين، ففي الخطاب مضمر لدليل الكلام عليه في قوله تعالى: {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ} القصص: 77، وقد قال بعض العلماء: من دخل السوق ليشتري ويبيع فكان درهمه أحبّ إليه من درهم أخيه لم ينصح المسلمين في المعاملة، وقال عالم آخر: مَنْ باع أخاه شيئًا بدرهم وهو يصلح له بخمسة دوانيق فإنه لم يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه حتى لا يبيع أخاه شيئاً بدرهم إلاّ وهو يصلح له اشتراؤه به، فينبغي لهذا المتصرف أن يستوي في قلبه درهمه ودرهم أخيه ورحله ورحل أخيه، ليعدل فيما يبيعه أو يشتري منه سواء بسواء، ويكون مراعيًا لموافقة حكم اللّه تعالى الذي ورد به الشرع في الشراء والبيع، مراعياً للسبب الذي يصل به الدرهم أن يكون السبب معروفاً في العلم، مباحاً في الحكم، فيكون متورّعاً في عين الدرهم المعتاض، لا يكون من خيانة أو سرقة أو فساد أو غصب أو غيلة أو حيلة، فهذه وجوه الحرام التي تحرم بها المكاسب المباحة، فإذا كان متجنباً لهذه المعاني لم يشهد أحدها بعينه أو لم يعلمه من عدل فكسبه حينئذ من شبهة، ولا يكون مع ذلك حلالاً لإمكان دخول أمر هذه الأسباب فيه، ولأنه على غير يقين معاينة منه لصحة أصله وأصل أصله لقلّة المتقين وذهاب الورعين إلاّ أنه شبهة الحلال.